في الذكرى الثامنة والاربعين لتأسيس الحزب الاشتراكي اليمني، تبرز اهمية استعادة مسيرته بوصفها امتداداً لنضال وطني لم يبدأ بتأسيسه عام 1978، بل تشكل عبر نضالات قوى وتيارات سياسية واجتماعية اسهمت في مقاومة الاستعمار البريطاني، ومهدت الطريق لثورة الرابع عشر من أكتوبر والاستقلال الوطني عام 1967. وعلى امتداد تلك التجربة، تبلورت ملامح المشروع السياسي الذي استند الى التحرر الوطني والتغيير الاجتماعي، وهو الإرث الذي مثل احد روافد التجربة السياسية للحزب الاشتراكي اليمني، الذي اتسع حضوره لاحقاً ليصبح احد ابرز الفاعلين في تاريخ اليمن المعاصر، وشريكاً في تحقيق الوحدة اليمنية عام 1990.
وعلى الرغم من أن الحزب تأسس من اندماج تيارات وفصائل يسارية وقومية، من ابرزها حركة القوميين العرب، وحزب الطليعة، واتحاد الشعب الديمقراطي، لا يزال البعض يختزله في وصف "الحزب الشمولي"، مستنداً الى خلفيته الفكرية وظروف نشأته في عهد التنافس بين النظامين الاشتراكي والرأسمالي، ضمن توظيف سياسي برزت ملامحه عقب حرب صيف 1994، حين خضعت قراءات تجربته لحسابات الصراع السياسي، وغلبت عليها الانتقائية والأحكام المسبقة. غير أن الإنصاف التاريخي يقتضي قراءة التجربة في سياقها، وتقييم منجزاتها وإخفاقاتها معاً. فقد اسهم الحزب في بناء دولة مدنية عززت حضور القانون، ووسعت فرص التعليم والرعاية الصحية، ووفرت الخدمات الأساسية مجاناً، وتبنت سياسات تنموية استهدفت مكافحة الأمية والفقر والمرض والحد من الفوارق الطبقية. كما شهد الجنوب تحولات عميقة في بنيته الاجتماعية والسياسية، انتقل خلالها من واقع تتوزع فيه السلطة بين سلطنات وإمارات متنازعة الى كيان سياسي موحد، تراجعت فيه بعض انماط الثأر القبلي وتبدلت العلاقات الاجتماعية. ولم تكن هذه التحولات مجرد تغيير في شكل السلطة، بل مساساً ببنية اجتماعية تقليدية وإعادة تشكيل لعلاقة المواطن بالدولة. ومع ذلك، فإن ما تحقق من بناء مؤسسي وخدمات اجتماعية لا يلغي ما شاب التجربة من تركيز للسلطة وتضييق على التعددية السياسية. وهذه القراءة المتوازنة هي ما يمنح التجربة قيمتها التاريخية، بعيداً عن التمجيد المطلق او الإدانة الشاملة.
وكشفت التحولات التي اعقبت الوحدة، وما رافقها من صراعات وأزمات، أن الرصيد النضالي وحده لا يكفي لحماية المشروع الوطني حين تختل موازين السلطة وتضعف الضمانات المؤسسية. فقد افرزت الحياة السياسية نظاماً تتعايش فيه مؤسسات الدولة مع مراكز نفوذ قبلية وشخصية تنازعها سلطة القرار، فتتراجع استقلالية المؤسسات، ويصبح النفوذ والولاء في كثير من الأحيان ارجح من القانون والمواطنة المتساوية. وتعزز هذا الاختلال بتوظيف التعبئة الدينية والفتاوى في الصراع السياسي، بدل الاحتكام الى الدستور وقواعد التنافس الديمقراطي. ولم تكن النتيجة اضعاف الدولة فحسب، بل افراغ التعددية من جانب من مضمونها، وتحويل الاحزاب، بدرجات متفاوتة، من ادوات لتنظيم المصالح المجتمعية والتداول السلمي للسلطة الى اطراف محكومة بموازين القوة ومراكز النفوذ. ومن هنا، فإن تجديد الحياة الحزبية لا يبدأ بتحديث الشعارات وحدها، بل بإعادة الاعتبار للمؤسسات، والديمقراطية الداخلية، واستقلال القرار السياسي، والارتباط الفعلي بقضايا المواطنين.
وجاء انقلاب جماعة الحوثي ليضفي على الأزمة بعداً اشد خطورة، إذ نقل الصراع من التنافس على السلطة إلى تقويض مؤسسات الجمهورية، وفرض منطق القوة المسلحة على الحياة السياسية، وتعميق انقسام البلاد، فضلاً عن التضييق على العمل السياسي والمدني واستهداف القوى الرافضة لمشروعه. وامام هذا الواقع، لا تكفي مواقف الرفض والادانة، مهما كانت اهميتها، ما لم تتحول الى اسهام سياسي فاعل في استعادة الدولة والجمهورية وصون التعددية وحماية حق اليمنيين في اختيار نظامهم السياسي وتقرير مستقبلهم. وتفرض هذه المسؤولية على الحزب الاشتراكي أن يجمع بين الدفاع عن الثوابت الوطنية ومراجعة ادوات عمله، وأن يقدم مشروعاً مدنياً يستعيد مكانة القانون، ويرفض اخضاع المجتمع للسلاح او احتكار الحقيقة والسلطة، ويجعل العمل السياسي السلمي اساساً لبناء الدولة.
ولا شك أن استمرار الانقلاب الحوثي على اجزاء من الوطن، وما خلفه من حرب وانقسام ومعاناة إنسانية، يفرضان على الحزب، بما راكمه من خبرات سياسية ونضالية، مسؤولية تجديد دوره وربط مبادئه التاريخية ببرنامج يستجيب للتحولات الراهنة. ولا يتحقق ذلك باستعادة مفردات العدالة الاجتماعية في الخطاب وحدها، بل بترجمتها الى سياسات قابلة للتطبيق في مجالات العمل والتعليم والصحة والحماية الاجتماعية، وبمواقف واضحة من الفساد وتكافؤ الفرص والتوزيع العادل للموارد والخدمات بين المحافظات. كما يتطلب التجديد تطوير البنية التنظيمية، وتعزيز الديمقراطية الداخلية، وتجديد القيادات، وتوسيع مشاركة الشباب والمرأة في صنع القرار، بما يتيح انتقال الخبرة بين الأجيال ويعيد وصل الحزب بقضايا المجتمع اليومية. ويظل استقلال القرار السياسي شرطاً جوهرياً لهذه العملية، فلا يصبح الحزب تابعاً لمراكز النفوذ او اسيراً لحسابات البقاء التنظيمي على حساب رسالته الوطنية. وفي القضية الجنوبية، تقتضي المسؤولية موقفاً عادلاً يعترف بالمظالم والتطلعات، ويضمن الشراكة والتمثيل المنصف، ويدعم معالجة سياسية تكفل لابناء الجنوب حقهم في تقرير مستقبلهم، وتحترم الإرادة الشعبية، وتضع الحقوق والمصالح العامة فوق الحسابات الفئوية.
إن قيمة الحزب الاشتراكي اليمني اليوم لا تتحدد بما يحمله من إرث ثوري فحسب، بل بما يستطيع أن يقدمه من مشروع مدني في مواجهة السلاح ومراكز النفوذ، وبقدرته على تحويل خبرته التاريخية الى قوة سياسية متجددة. فتاريخ النضال يمنح الحزب جذوره، اما موقعه في المستقبل فيحدده ما ينجح في إنجازه للحاضر.