آخر تحديث :الخميس-22 أكتوبر 2026-04:02م

السعيدي.. حين تتحول المؤسسة إلى أداة للدولة في زمن الاختبار

الجمعة - 09 أكتوبر 2026 - الساعة 01:15 م
د. هزم أحمد


اليمن.... أولاً

في الدول التي تمر بظروف استثنائية، لا تُقاس كفاءة القيادات بحجم التصريحات، وإنما بقدرتها على تحويل الأزمات إلى خطط، والخطط إلى إجراءات، والإجراءات إلى نتائج. ومن هذه الزاوية يمكن قراءة التحركات التي يقودها المدير العام التنفيذي للمؤسسة الاقتصادية اليمنية العميد سامي صالح السعيدي، خصوصاً في ظل تفعيل خطة الطوارئ ورفع جاهزية فروع المؤسسة وتعزيز منظومة الإمداد والإسناد. ما يقوم به السعيدي لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد اجتماع إداري أو إجراء روتيني، بل باعتباره اختباراً حقيقياً لمفهوم القيادة المؤسسية في مرحلة تحتاج فيها الدولة إلى مؤسسات قادرة على العمل تحت الضغط، واتخاذ القرار في الوقت المناسب، والحفاظ على استمرارية الخدمات والمهام الاقتصادية واللوجستية في آن واحد. اللافت في إدارة السعيدي أن مفهوم الجاهزية لديه لا يبدأ عند وقوع الأزمة، وإنما يقوم على الاستعداد المسبق، وبناء البدائل، وتسريع التقارير الميدانية، وربط الفروع بالإدارة العامة، وتوحيد آليات العمل. وهذه العناصر تمثل في علم الإدارة الحديثة جوهر إدارة المخاطر واستمرارية الأعمال، حيث تتحول المؤسسة من حالة رد الفعل إلى حالة الاستعداد والاستباق. كما أن أهمية المؤسسة الاقتصادية اليمنية في هذه المرحلة تتجاوز الجانب التجاري التقليدي؛ فهي مؤسسة تقع عند تقاطع الاقتصاد والخدمات والإسناد اللوجستي، ولذلك فإن قدرتها على الاستمرار في أداء وظائفها خلال الظروف الصعبة تمثل جزءاً من قدرة الدولة نفسها على الصمود. ومن هنا تبرز أهمية الدور القيادي الذي يمارسه السعيدي. فالقيادة في الظروف الطبيعية يمكن أن تُقاس بالكفاءة الإدارية، أما في الظروف الاستثنائية فتُقاس أيضاً بالقدرة على المحافظة على تماسك المؤسسة، وضبط سلسلة القرار، وتوزيع المسؤوليات، وتحقيق سرعة الاستجابة دون التضحية بالانضباط المؤسسي. والأهم أن هذا النهج لا يرتبط بمرحلة الطوارئ وحدها، بل يأتي في سياق مسار من العمل المتراكم الذي يفترض أن تُقاس فيه القيادة بقدرتها على بناء مؤسسة أكثر انتظاماًء وقدرة على مواجهة المتغيرات. فالمؤسسة القوية ليست التي تعمل عندما تكون الظروف مستقرة فقط، وإنما التي تستطيع أن تحافظ على وظائفها الأساسية عندما تتغير الظروف وتزداد الضغوط. ولذلك فإن تجربة السعيدي تستحق أن تُقرأ من منظور أوسع من الأشخاص والمناصب؛ أي من منظور بناء الدولة ومؤسساتها. فنجاح أي مسؤول لا ينبغي أن يكون هدفه إثبات حضوره الشخصي، بل رفع قدرة المؤسسة التي يقودها على العمل بكفاءة حتى في أصعب الظروف. وفي المرحلة الراهنة تحديداً، تحتاج اليمن إلى هذا النوع من القيادة: قيادة هادئة في القرار، حازمة في التنفيذ، واضحة في المسؤولية، وقادرة على الجمع بين متطلبات الأمن والاستقرار وبين حماية النشاط الاقتصادي والخدمي واحتياجات المواطنين. إن تفعيل خطة الطوارئ اليوم يحمل رسالة تتجاوز تفاصيل الاجتماع: الدولة التي تستعد للأزمة قبل وقوعها تكون أكثر قدرة على تجاوزها. والمؤسسة التي تمتلك البدائل والمعلومات وسرعة القرار لا تتحول إلى عبء على الدولة في الأزمات، بل تصبح إحدى أدوات صمودها. ومن هذه الزاوية، فإن دور العميد سامي السعيدي في هذه المرحلة لا ينبغي أن يُختزل في منصبه الإداري، وإنما يُنظر إليه باعتباره نموذجاً للقيادة المؤسسية التي تواجه الاختبار الحقيقي عندما تتطلب المرحلة الجاهزية والانضباط وسرعة الاستجابة. اليمن اليوم لا تحتاج إلى إدارة الأزمات بعد وقوعها فقط، بل تحتاج إلى مؤسسات تستبق الأزمات وتستعد لها. وهذه هي القيمة الحقيقية لأي قيادة ناجحة: أن تجعل المؤسسة أقوى من الظرف، وأن تجعل القرار أسرع من الأزمة، وأن تجعل العمل المؤسسي قادراً على حماية مصالح الدولة والمواطن في أصعب المراحل.