آخر تحديث :الخميس-22 أكتوبر 2026-01:26ص

الوردي ووطن الأحلام

الخميس - 08 أكتوبر 2026 - الساعة 03:51 م
المحامي مختار راجح


تأليف وبحث / بقلم: المستشار والباحث مختار راجح


ليس كلُّ من أحبَّ وطنًا قال: أحبّه، وليس كلُّ من رفع راية الوطن حملها؛ فبين القول والفعل مسافةٌ لا يقطعها إلا الرجال الذين جعلوا من أعمارهم جسورًا، ومن أحلامهم مشروعات، ومن أفكارهم مصابيح تُعلَّق في عتمة الطريق.


ومن بين هؤلاء يطلُّ حسين الوردي؛ لا بوصفه رجل اقتصاد فحسب، ولا باعتباره صاحب تجربة عابرة في ميدان الأعمال، وإنما بوصفه رجلًا أرهقته فكرة الوطن، حتى صار يحملها في صدره كما يحمل المسافر زاده في طريق طويل لا يدري أين ينتهي، لكنه يعرف يقينًا أنه لا يجوز له أن يتوقف.


الوردي ووطن الأحلام حكاية رجل لم يكتفِ بأن يرى الخراب، بل ظل يسأل: كيف نبني؟


ولم يقف طويلًا أمام السؤال: من المسؤول؟

بل دفع بالسؤال إلى مداه الأبعد: ما الحل؟


وهنا تكمن المسافة بين رجلٍ يراقب الوطن من نافذة، ورجلٍ يريد أن يصنع له نافذةً جديدة تطل على المستقبل.


الوردي لا ينام على وسادة الواقع.


إنه رجلٌ يبدو كأن النوم قد خاصم عينيه كلما رأى فكرةً يمكن أن تنقذ وطنًا، أو مشروعًا يمكن أن يفتح بابًا، أو رؤيةً يمكن أن تعيد إلى الاقتصاد شيئًا من عافيته.


هو لا ينام؛ لأن الفكرة عنده ليست ترفًا، والوطن عنده ليس نشيدًا يُردَّد، وإنما مسؤولية تُحمل.


ولذلك ظل يطارد الفكرة كما يطارد العطشان قطرة الماء، ويبحث عن الرؤية كما يبحث البحّار عن نجمة تهديه في بحرٍ مضطرب.


وطنٌ أنهكته الأزمات لا يحتاج فقط إلى من يصف جراحه، وإنما يحتاج إلى من يفكر في كيفية مداواتها.


والوطن الذي ضاقت عليه أبواب الاقتصاد لا تنقذه كثرة الخطب، بل تنقذه العقول التي تستطيع أن ترى ما وراء اللحظة، وأن تضع اليوم لبنةً في بناء الغد.


من هنا يمكن فهم إصرار الوردي على صناعة الأفكار والرؤى؛ فهو لا يريد أن يكون شاهدًا على زمنٍ ينهار، بل يريد أن يكون شاهدًا على وطنٍ ينهض.


---


يا رجال السلطة...


ليس الوطن خزينةً تُفتح حين نحتاج، ولا غنيمةً تتوزع حين تغيب الرقابة، ولا مائدةً يجلس حولها القليلون بينما يقف الشعب طويلًا أمام أبواب الحاجة.


الوطن أكبر من الثروة، وأبقى من المنصب، وأقدس من الامتياز.


وما قيمة أن تتسع الثروة في يد الإنسان إذا ضاق الوطن في عيون أبنائه؟


وما قيمة أن يملك المسؤول المزيد، إذا كان الوطن يفقد كل يوم شيئًا من قدرته على النهوض؟


إنها المفارقة المؤلمة:


رجلٌ واحدٌ يكدّ ذهنه في البحث عن الإصلاح، فيما يبدو المشهد العام أحيانًا وكأن عجلة القرار قد أثقلها السكون.


والوردي يركض خلف الفكرة، فيما ينتظر آخرون أن تأتيهم الفكرة إلى مكاتبهم.


هو يحاول أن يوقظ السؤال، بينما يحتاج الواقع إلى من يوقظ الإرادة.


هو ينظر إلى الوطن من جهة المستقبل، بينما قد يظل بعض أصحاب القرار أسرى للحظة ومكاسبها وحساباتها الضيقة.


وهنا لا يصبح النقد خصومة، بل يصبح النصح ضرورة.


فالوطن لا يحتمل أن تكون عقول أبنائه في سباتٍ طويل، بينما تتسابق حوله رياح العالم، وتتغير خرائط الاقتصاد، وتنتقل الأمم من مرحلة إلى مرحلة.


الزمن لا ينتظر النائمين.


والتاريخ لا يرحم من امتلك القدرة على الإصلاح ثم تركها تتآكل في أروقة الانتظار.


---


أما الوردي، فقد اختار طريقًا آخر.


اختار أن يكدّ في صناعة التصورات، وأن يضع الاقتصاد في قلب سؤال الوطن، وأن يرى في الاستثمار والتنمية والتكامل الاقتصادي أبوابًا يمكن أن تفتح طريقًا جديدًا أمام الإنسان اليمني.


ولعل أجمل ما في تجربته أنه لم يتعامل مع الاقتصاد باعتباره أرقامًا جامدة، بل باعتباره حياة الإنسان.


فالاقتصاد عنده ليس جدولًا ماليًا باردًا؛ إنه رغيف طفل، وكرامة عامل، ومستقبل شاب، وأرضٌ تُزرع، ومصنعٌ يعمل، وميناءٌ يتحرك، وسوقٌ ينبض، ومدرسةٌ تستقبل أبناءها، وبيتٌ لا يخشى غدَه.


ولهذا فإن حديثه عن الاقتصاد ليس حديث رجل أعمال عن المال، بل حديث مواطن يرى أن استقرار الوطن لا يمكن أن يُبنى على الفقر، وأن السلام لا يكتمل إذا ظل المواطن يبحث عن لقمة عيشه بين ركام الأزمات.


إنه يريد وطنًا لا يكون فيه الاقتصاد تابعًا للأزمة، بل تكون الأزمة هي التي تنحسر أمام اقتصادٍ منتجٍ ومستقر.


يريد أن تتحول اليمن من أرضٍ يكثر الحديث عن مآسيها إلى أرضٍ يتحدث العالم عن إمكاناتها.


ففيها الإنسان، والأرض، والموقع، والمناخ، والموارد، والطاقات، والعقول، والأيدي التي تعرف كيف تعمل.


لكن الثروة وحدها لا تصنع نهضة.


إنما تصنعها الرؤية التي تعرف كيف تحول الثروة إلى مستقبل.


---


يا وطن الأحلام...


كم من ثروةٍ مرّت بك ولم تتحول إلى نهضة؟


وكم من فرصةٍ وقفت على أبوابك ثم عادت أدراجها لأن أصحاب القرار كانوا منشغلين بما هو أصغر من الوطن؟


وكم من عقلٍ وطني حمل مشروعًا، ثم ظل مشروعه طويلًا في ممرات الانتظار؟


هنا يصبح الوردي صورةً لذلك الإنسان الذي يقول:


لا يكفي أن نمتلك الوطن؛ يجب أن نحسن إدارته.


لا يكفي أن نملك الثروة؛ يجب أن نحسن استثمارها.


لا يكفي أن نتحدث عن التنمية؛ يجب أن نصنع شروطها.


لا يكفي أن نحلم بالغد؛ يجب أن نبدأ اليوم.


---


ولذلك فإن المقارنة بين الوردي وبعض من يتولون القرار ليست مقارنة بين أشخاص، وإنما بين منهجين في النظر إلى الوطن:


منهج يرى الوطن فرصةً للمصلحة، ومنهج يراه أمانةً للمستقبل.


منهج يسأل: ماذا سأحصل؟


ومنهج يسأل: ماذا سأترك؟


منهج يطارد الثروة لنفسه، ومنهج يطارد الفكرة لوطنه.


وبين السؤالين تتحدد أخلاق المسؤولية.


فالثروة التي تُجمع ثم تُغلق عليها الأبواب قد تنتهي بانتهاء أصحابها، أما الفكرة التي تُزرع في وطن فقد تعيش بعد أصحابها بعقود.


وهذا هو الفارق بين من يبني لنفسه ومن يحاول أن يبني لغيره.


قد يموت المال بموت صاحبه، لكن الفكرة الصادقة قد تعيش حتى بعد أن يغيب صاحبها.


---


أيها الوردي...


ربما لم تسمع بعدُ صوت الوطن كما تريد، وربما ظلت بعض أفكارك تبحث عن آذانٍ تصغي إليها، وربما وقفت بعض رؤاك طويلًا أمام أبوابٍ لم تُفتح.


لكن الأفكار العظيمة لا تموت لأنها تأخرت.


والبذور لا تفقد قدرتها على الإنبات لأنها بقيت فترةً تحت التراب.


إن بعض الأفكار تحتاج إلى زمنها، وبعض الرجال يسبقون زمنهم.


وقد يكون صاحب الفكرة في بدايتها غريبًا بين قومه، ثم يصبح غدًا ما كان يقوله بالأمس من أبسط بديهيات الحياة.


وهنا تكمن قيمة الإصرار.


فالوردي، في الصورة التي ترسمها مواقفه وأفكاره، لم يجعل خذلان اللحظة سببًا للتخلي عن الحلم.


ظل يقول إن الوطن يستطيع أن ينهض.


وظل يرى في الاقتصاد بابًا للسلام، وفي التنمية طريقًا للاستقرار، وفي التكامل جسرًا يعبر عليه اليمن إلى المستقبل.


ولذلك فإن سفينة النجاة الوردية ليست في معناها الأعمق سفينةً من خشب وحديد؛ إنها سفينة فكرة.


والسفن الحقيقية تبدأ في عقل صاحبها قبل أن تُبنى في البحر.


---


أما أولئك الذين أرهقتهم الثروة في البحث عن المزيد، فإن الوطن يسألهم سؤالًا لا يستطيع المال أن يجيب عنه:


ماذا أبقيتم للوطن بعد أن أخذتم منه؟


فالسلطة مهما طال عمرها عابرة.


والمنصب مهما علا كرسيه زائل.


والمال مهما كثر لا يشتري وطنًا إذا انهار.


أما الوطن، فإذا سقط، فلن يستطيع أحد أن يشتري له بديلًا.


لهذا فإن أعظم ثروة يمكن أن يتركها المسؤول ليست خزينةً ممتلئة، وإنما دولةٌ مستقرة، واقتصادٌ منتج، ومؤسساتٌ قوية، وقانونٌ يحمي الجميع، وشعبٌ يستطيع أن يعيش بكرامة.


---


الوردي يحلم بوطنٍ مختلف.


وطنٍ لا تكون فيه السياسة خصمًا للاقتصاد.


ولا الاقتصاد ضحيةً للسياسة.


وطنٍ يتصالح فيه رأس المال مع المصلحة العامة، والعلم مع القرار، والقطاع الخاص مع الدولة، والاستثمار مع القانون، والتنمية مع السلام.


وطنٍ يستطيع فيه المواطن أن يقول:


غدًا أفضل من اليوم.


وهذه الجملة، في زمن الانكسار، ليست جملةً عابرة.


إنها عقيدة بناء.


---


يا رفيق دربي...


إن وطن الأحلام لا يصنعه الذين يكثرون الكلام عنه، وإنما الذين يتعبون من أجله.


والوردي، كما تكشف رؤاه ومشروعاته ومواقفه، اختار أن يكون من هؤلاء.


قد يختلف الناس حوله، وقد يناقشون أفكاره، وقد يختلفون مع بعض رؤاه؛ وهذا حقٌ طبيعي في فضاء الرأي العام.


لكن الرجل الذي يقضي سنواته في مطاردة فكرةٍ يؤمن أنها قد تنفع وطنه يستحق أن تُسمع فكرته قبل أن تُحاكم، وأن تُناقش رؤيته قبل أن تُغلق الأبواب في وجهها.


فربما كان الوطن في أمسّ الحاجة إلى الفكرة التي أهملناها بالأمس.


وربما كان الحل واقفًا منذ سنوات عند الباب، بينما نحن مشغولون بمن يملك المفتاح.


---


الوردي ووطن الأحلام...


ليست قصة رجلٍ يريد أن يربح معركةً على أحد.


إنها، في جوهرها، صورة رجلٍ يريد أن يربح الوطن.


وهذه هي المعركة التي تستحق أن نخوضها جميعًا:


أن نربح اليمن لا أن نربح عليه.


أن نزرع فيه لا أن نحصد منه فقط.


أن نبني مؤسساته لا أن نستهلكها.


أن نحفظ ثرواته لا أن نبددها.


أن نصنع مستقبله لا أن نبيع مستقبله من أجل حاضرٍ قصير.


فالوطن الذي نحلم به لن يأتي من السماء كاملًا.


سنصنعه نحن، فكرةً بعد فكرة، ومشروعًا بعد مشروع، وقرارًا بعد قرار، وضميرًا بعد ضمير.


وربما كان أجمل ما يمكن أن نقوله في نهاية الحكاية:


إن الوردي لم يتعب لأنه رأى وطنًا بلا أحلام؛


بل أتعبته كثرة الأحلام التي يمكن أن تصبح حقيقة، ثم رأى الأيدي التي تستطيع أن تحققها وهي لا تمتد.


فمضى يبحث، ويقترح، ويحلم، ويطرق الأبواب.


وفي زمنٍ يكثر فيه النائمون حول وطنٍ مستيقظٍ على جراحه، يبقى السؤال معلقًا في سماء اليمن:


من سيوقظ الوطن؟


ولعل الجواب لا يكون اسم رجلٍ واحد، وإنما جيلًا كاملًا يؤمن أن الوطن ليس تركةً نتقاسمها، بل أمانةٌ نسلمها لمن بعدنا أفضل مما وجدناها.


وهناك، فقط، يتحول وطن الأحلام من قصيدةٍ جميلة إلى حقيقةٍ تمشي على الأرض.