الكتاب الثاني
أحكام الالتزام
دراسة تأصيلية قضائية فقهية مقارنة
تأليف وبحث: المستشار والباحث مختار راجح
---
مقدمة الدراسة
تمثل نظرية الالتزام أحد الأعمدة الأساسية التي يقوم عليها القانون الخاص؛ فهي الحلقة التي تنتقل من خلالها العلاقة القانونية من مجرد مركز قانوني إلى حق قابل للمطالبة، ومن الحق إلى الحكم، ومن الحكم إلى التنفيذ، ومن التنفيذ إلى انقضاء الرابطة القانونية.
ولهذا فإن أحكام الالتزام لا ينبغي أن تدرس باعتبارها مجموعة من القواعد المتفرقة المتعلقة بالتنفيذ أو التعويض أو الوفاء أو الانقضاء، وإنما باعتبارها منظومة قانونية متكاملة تبدأ بتحديد مضمون الالتزام ومصدره، ثم تنتقل إلى آثاره، ووسائل تنفيذه، والجزاء المترتب على الإخلال به، وضمانات الدائن، وأوصافه، وانتقاله، وانقضائه.
وتكتسب هذه الدراسة خصوصيتها من الجمع بين أربعة مستويات من البحث:
الأول: التأصيل في الفقه الإسلامي.
الثاني: تحليل القواعد القانونية المنظمة لأحكام الالتزام.
الثالث: استقراء اتجاهات القضاء المصري ومبادئ محكمة النقض.
الرابع: عرض آراء الفقهاء ومناقشتها، ثم بيان رأي المؤلف في المسائل التي تستوجب الترجيح أو إعادة البناء.
وقد أكدت محكمة النقض المصرية في تطبيقاتها أن الأصل هو تنفيذ الالتزام عينًا متى كان ذلك ممكنًا، وأن الانتقال إلى التعويض يكون وفق الضوابط القانونية، كما فرقت بين التنفيذ العيني والتنفيذ الجبري، وبين التعويض عن عدم التنفيذ والتعويض عن التأخير في التنفيذ.
ومن ثم فإن الدراسة لا تقف عند النص المجرد، وإنما تبحث في كيفية انتقال النص من التشريع إلى القضاء، ومن القضاء إلى التنفيذ، ومن التنفيذ إلى حماية الحق.
---
الباب الأول
ماهية الالتزام
المبحث الأول
تعريف الالتزام
الالتزام رابطة قانونية بين شخصين، يلتزم بمقتضاها أحدهما، وهو المدين، بأداء معين لمصلحة الآخر، وهو الدائن.
وقد يكون الأداء:
1. إعطاء شيء.
2. القيام بعمل.
3. الامتناع عن عمل.
والالتزام بهذا المعنى يختلف عن مجرد الواجب الأخلاقي؛ لأن الالتزام القانوني يتمتع بالحماية القانونية، ويستطيع الدائن ــ متى توافرت شروط المطالبة ــ اللجوء إلى القضاء لإجبار المدين على التنفيذ أو الحصول على التعويض.
المبحث الثاني
الالتزام في الفقه الإسلامي
عرف الفقه الإسلامي صورًا متعددة للالتزام، وإن لم يجمعها في نظرية عامة بالمصطلحات الفنية الحديثة.
فالدين في الذمة، والضمان، والكفالة، والحوالة، والبيع، والإجارة، والغصب، والإتلاف، والصلح وغيرها، جميعها ترتب آثارًا ملزمة.
وتقوم هذه الأحكام على أصول كلية، من أهمها:
الوفاء بالعقود، ورد الحقوق، وتحريم أكل أموال الناس بالباطل، وإزالة الضرر، وضمان المتلفات.
وتكشف المقارنة أن الاختلاف في المصطلح لا يعني اختلافًا في أصل الحماية القانونية والشرعية للحق.
المبحث الثالث
عناصر الالتزام
يقوم الالتزام على:
الدائن، والمدين، ومحل الالتزام، والرابطة القانونية.
وقد يتعدد الدائنون أو المدينون، وقد يكون الالتزام بسيطًا أو موصوفًا بشرط أو أجل، وقد يكون متعدد المحل أو الأطراف.
---
الباب الثاني
مصادر الالتزام
تتناول الدراسة المصادر الآتية:
المبحث الأول: العقد
يبحث في:
- أركان العقد.
- التراضي.
- المحل.
- السبب.
- الأهلية.
- القوة الملزمة للعقد.
- حسن النية.
- تفسير العقد.
- آثار العقد.
- الفسخ.
- الدفع بعدم التنفيذ.
وتقارن الدراسة في كل مسألة بين الفقه الإسلامي، والقواعد القانونية، والقضاء المصري، وآراء الفقهاء.
المبحث الثاني: الإرادة المنفردة
ويبحث في مدى قدرة الإرادة المنفردة على إنشاء الالتزام، وحدود حجيتها، والصور التي يعترف فيها القانون أو الفقه لها بالأثر الملزم.
المبحث الثالث: الفعل الضار
ويتناول:
الخطأ، والضرر، وعلاقة السببية، والمسؤولية، والمباشرة والتسبب، والسبب الأجنبي، والضرر المادي والأدبي.
المبحث الرابع: الفعل النافع
ويشمل:
- الإثراء بلا سبب.
- دفع غير المستحق.
- الفضالة.
المبحث الخامس: القانون
ويبحث في الالتزامات التي ينشئها القانون مباشرة، ومدى تعلقها بالنظام العام، والتمييز بين القواعد الآمرة والمكملة.
---
الباب الثالث
آثار الالتزام
المبحث الأول
التنفيذ الاختياري
الأصل أن ينفذ المدين التزامه طوعًا في الميعاد والمكان والطريقة المتفق عليها أو التي يحددها القانون.
والوفاء الاختياري هو الصورة الطبيعية لانقضاء الالتزام؛ لأن الغاية من الالتزام ليست إبقاء المدين في حالة مديونية، وإنما الوصول إلى الأداء المستحق.
المبحث الثاني
التنفيذ العيني
التنفيذ العيني هو أن يؤدي المدين عين ما التزم به، متى كان ذلك ممكنًا.
وهذا هو الأصل في القانون المدني المصري؛ إذ تقرر المادة 203 أن المدين يجبر، بعد إعذاره، على تنفيذ التزامه عينًا متى كان ذلك ممكنًا. وقد استقر قضاء النقض على هذا الأصل.
رأي المؤلف
أرى أن التنفيذ العيني يمثل الصورة الأكمل للعدالة؛ لأنه يعيد الدائن إلى المركز الذي كان ينبغي أن يكون عليه لو نفذ الالتزام في موعده.
أما التعويض، فعلى الرغم من أهميته، فهو في الأصل بديل عن الأداء عندما يتعذر الوصول إلى الأداء ذاته أو يقرر القانون العدول عنه.
ولهذا لا ينبغي أن يتحول التعويض إلى وسيلة لإعفاء المدين من تنفيذ التزام يمكن تنفيذه عينًا.
---
المبحث الثالث
حدود التنفيذ العيني
لا يعني التنفيذ العيني جواز استعمال القوة المادية على شخص المدين.
فقد أوضحت محكمة النقض أن إجبار المدين على التنفيذ العيني لا يعني قهره شخصيًا، وإنما تكون الحماية موجهة إلى أمواله ووسائل التنفيذ التي يسمح بها القانون.
وإذا كان الالتزام لا يمكن تنفيذه إلا بتدخل المدين الشخصي، فقد يلجأ القضاء إلى وسائل الضغط المالي التي يقررها القانون، فإذا استحال التنفيذ العيني انتقل الحق إلى التعويض وفقًا لشروطه.
وهنا تظهر أهمية التمييز بين:
التنفيذ العيني — التنفيذ الجبري — الإكراه المالي — التنفيذ بمقابل.
فالآثار ليست واحدة، ولا يجوز الخلط بينها.
---
المبحث الرابع
التنفيذ بطريق التعويض
التعويض هو الجزاء المالي الذي يترتب عند عدم تنفيذ الالتزام أو التأخر في تنفيذه، بحسب الأحوال.
والأصل ألا يُصار إلى التعويض عن عدم التنفيذ متى كان التنفيذ العيني ممكنًا ومطلوبًا، إلا في الحالات التي يجي فيها القانون ذلك.
وقد قررت محكمة النقض أن استحالة التنفيذ العيني تؤدي إلى اللجوء إلى التنفيذ بطريق التعويض.
لكن يجب التمييز بين:
التعويض عن عدم التنفيذ
و
التعويض عن التأخير في التنفيذ.
فقد ينفذ المدين التزامه في النهاية، ولكن بعد فوات الميعاد، فيستحق الدائن تعويضًا عن الضرر الذي أصابه بسبب التأخير، دون أن يعني ذلك استبدال التنفيذ العيني بالتعويض. وقد أكدت محكمة النقض هذا التمييز صراحة.
---
المبحث الخامس
الجمع بين التنفيذ العيني والتعويض
ليس صحيحًا إطلاق القول بعدم جواز الجمع بين التنفيذ العيني والتعويض.
والتفصيل هو:
إذا كان التعويض عن عدم التنفيذ ذاته: فلا يجتمع في الأصل مع التنفيذ العيني؛ لأن الدائن لا يجوز أن يحصل على الأداء مرتين عن المحل نفسه.
أما:
إذا كان التعويض عن التأخير في التنفيذ: فيجوز الجمع بين التنفيذ العيني والتعويض عن الضرر الناشئ عن التأخير، لأن لكل منهما محلًا مختلفًا.
وقد استقر القضاء المصري على هذا التمييز.
رأي المؤلف
أرى أن القاعدة الأدق ليست:
«لا يجوز الجمع بين التنفيذ والتعويض».
وإنما:
«لا يجوز الجمع بين تنفيذ الالتزام وتعويض يحل محل الالتزام ذاته، ويجوز الجمع بين التنفيذ العيني والتعويض عن ضرر مستقل نشأ عن التأخير أو عن إخلال آخر قابل للتعويض».
وهذه الصياغة أدق من الناحية القضائية؛ لأنها تمنع الازدواج في جبر الضرر دون أن تحرم الدائن من حقه في التعويض عن الأضرار التي لا يمحوها التنفيذ المتأخر.
---
الباب الرابع
أوصاف الالتزام
يدرس هذا الباب:
المبحث الأول
الالتزام البسيط.
المبحث الثاني
الالتزام المعلق على شرط.
المبحث الثالث
الالتزام المضاف إلى أجل.
المبحث الرابع
الالتزام التخييري.
المبحث الخامس
الالتزام البدلي.
المبحث السادس
الالتزام متعدد المحل.
المبحث السابع
الالتزام متعدد الأطراف.
المبحث الثامن
التضامن بين الدائنين والمدينين.
المبحث التاسع
الالتزام القابل للانقسام وغير القابل للانقسام.
وسيُبحث كل وصف من هذه الأوصاف في ضوء الفقه الإسلامي والقانون والقضاء وآراء الفقهاء.
---
الباب الخامس
آثار تعدد أطراف الالتزام
يدرس هذا الباب:
- التضامن.
- عدم التضامن.
- تعدد الدائنين.
- تعدد المدينين.
- الرجوع بين المدينين.
- أثر الوفاء من أحد المدينين.
- الحلول.
- توزيع الدين.
- نطاق حجية الحكم بالنسبة إلى أطراف الالتزام.
وتظهر هنا الصلة بين أحكام الالتزام وأحكام الحجية والقوة التنفيذية للحكم القضائي؛ إذ لا يكفي تحديد من له الحق، وإنما يجب تحديد من يحتج عليه الحكم ومن يجوز التنفيذ في مواجهته.
---
الباب السادس
ضمان تنفيذ الالتزام
المبحث الأول
الضمان العام
أموال المدين هي الأصل في ضمان الوفاء بالتزاماته، في الحدود التي يقررها القانون.
المبحث الثاني
الدعوى غير المباشرة
تبحث في حماية الدائن من تقاعس المدين عن استعمال حقوقه.
المبحث الثالث
دعوى عدم نفاذ التصرف
وتبحث في حماية الدائن من التصرفات التي تضر بضمانه العام متى توافرت شروطها.
المبحث الرابع
الدعوى الصورية
وتبحث في حقيقة التصرف ومواجهة التصرفات الظاهرية التي تخالف الحقيقة.
---
الباب السابع
المسؤولية عن الإخلال بالالتزام
ينقسم إلى:
المبحث الأول
المسؤولية العقدية.
المبحث الثاني
المسؤولية التقصيرية.
المبحث الثالث
الإخلال بالالتزام.
المبحث الرابع
التأخير في التنفيذ.
المبحث الخامس
استحالة التنفيذ.
المبحث السادس
السبب الأجنبي.
المبحث السابع
القوة القاهرة.
المبحث الثامن
الخطأ والضرر والسببية.
---
الباب الثامن
التعويض عن الإخلال بالالتزام
وهذا الباب يجمع جميع المسائل المتعلقة بالتعويض منعًا للتكرار داخل الموسوعة.
ويشمل:
- التعويض عن عدم التنفيذ.
- التعويض عن التأخير.
- الضرر المادي.
- الضرر الأدبي.
- الضرر المباشر.
- الضرر المتوقع.
- تفويت الفرصة.
- تقدير التعويض.
- التعويض الاتفاقي.
- الشرط الجزائي.
- سلطة القاضي في تعديل التعويض الاتفاقي.
- التعويض القانوني.
- التعويض القضائي.
- الجمع بين التنفيذ والتعويض.
- تاريخ تقدير الضرر.
- عبء إثبات الضرر.
وتُبحث هذه المسائل في ضوء الفقه الإسلامي، والقضاء المصري، والفقه القانوني، ثم رأي المؤلف.
---
الباب التاسع
انتقال الالتزام
يتناول:
المبحث الأول
حوالة الحق.
المبحث الثاني
حوالة الدين.
المبحث الثالث
الحلول.
المبحث الرابع
الإنابة.
المبحث الخامس
آثار انتقال الحق والدين بالنسبة للمدين والدائن والغير.
---
الباب العاشر
انقضاء الالتزام
ويتناول:
1. الوفاء.
2. الوفاء بمقابل.
3. التجديد.
4. المقاصة.
5. اتحاد الذمة.
6. الإبراء.
7. استحالة التنفيذ.
8. التقادم.
9. الأسباب الأخرى التي يقررها القانون.
---
الباب الحادي عشر
الوفاء بالالتزام
الوفاء ليس مجرد تسليم مبلغ أو أداء عمل، وإنما نظام قانوني مستقل يبحث في:
- من له حق الوفاء؟
- لمن يكون الوفاء؟
- محل الوفاء.
- زمان الوفاء.
- مكان الوفاء.
- إثبات الوفاء.
- الوفاء الجزئي.
- الوفاء من الغير.
- الوفاء مع الحلول.
- أثر الوفاء في الضمانات.
وفي الفقه الإسلامي تتصل هذه المسائل بأحكام قضاء الدين، وقبض الحق، والبراءة من الذمة، وأداء الأمانات والحقوق.
---
الباب الثاني عشر
الحكم القضائي وأحكام الالتزام
وهذا باب جوهري في هذه الموسوعة؛ لأن الالتزام عندما يصبح محل نزاع قضائي ينتقل من نطاق العلاقة الخاصة إلى نطاق الحماية القضائية.
ويبحث في:
المبحث الأول
إثبات الالتزام.
المبحث الثاني
التكييف القضائي للالتزام.
المبحث الثالث
تحديد سبب الالتزام.
المبحث الرابع
حجية الحكم الصادر بشأن الالتزام.
المبحث الخامس
القوة التنفيذية للحكم القضائي.
المبحث السادس
أثر الحكم في تغيير المركز القانوني للمدين والدائن.
المبحث السابع
حدود سلطة القاضي في تحديد الجزاء.
رأي المؤلف
أرى أن الحكم القضائي لا ينبغي أن ينظر إليه باعتباره مجرد إعلان لوجود الحق، بل باعتباره حلقة انتقال الحق من مرحلته النظرية إلى مرحلته التنفيذية.
فإذا ثبت الالتزام بحكم حائز للحجية، فإن المسألة لا تنتهي عند منطوق الحكم؛ بل تبدأ مرحلة أخرى هي مرحلة القوة التنفيذية للحكم القضائي.
وهنا تلتقي نظرية الالتزام بنظرية التنفيذ، إذ:
الحق ينشئ المركز القانوني، والحكم يثبته أو يقرره، والحجية تحصنه، والقوة التنفيذية تمكن من اقتضائه.
---
الباب الثالث عشر
الدراسة المقارنة بين الفقه الإسلامي والقضاء المصري
تُجرى المقارنة في كل مسألة من مسائل الالتزام على أساس:
النص القانوني → التأصيل الفقهي الإسلامي → رأي الفقهاء → القضاء المصري → التطبيق القضائي → المناقشة → رأي المؤلف.
ولا تقتصر المقارنة على وضع رأي الفقه الإسلامي والقانون المصري في فصلين منفصلين، بل تدمج المقارنة داخل كل مبحث ومطلب؛ حتى يظهر موضع الاتفاق والاختلاف وأسباب كل اتجاه.
---
الخاتمة العامة للدراسة
تنتهي الدراسة إلى أن أحكام الالتزام ليست مجموعة أحكام متناثرة، وإنما نظام قانوني متكامل يبدأ من نشوء الرابطة القانونية ويمر بـ تحديد محلها وأوصافها وآثارها وضماناتها وتنفيذها، ثم يصل إلى الحكم القضائي وحجيته وقوته التنفيذية، وينتهي بانقضاء الالتزام.
وتبين الدراسة كذلك أن التنفيذ العيني هو الأصل متى كان ممكنًا، وأن التعويض عن عدم التنفيذ يمثل بديلًا عنه عند تعذر التنفيذ أو تحقق شروط العدول إليه، بينما يظل التعويض عن التأخير قائمًا إلى جانب التنفيذ العيني متى كان الضرر ناشئًا عن التأخير ذاته. وهذا التفريق مستقر في قضاء النقض المصري.
كما أن التنفيذ الجبري لا يساوي التنفيذ العيني؛ فالتنفيذ الجبري وسيلة لإجبار المدين على أداء ما التزم به، وقد يكون هذا الأداء عينيًا أو يكون بطريق التعويض.
رأي المؤلف
أخلص إلى أن نظرية الالتزام ينبغي أن تُبنى على قاعدة مركزية هي:
«الغاية من الالتزام ليست إثبات المديونية، وإنما تحقيق الأداء المستحق وحماية الحق حتى يبلغ غايته التنفيذية».
ومن ثم فإن الدراسة الصحيحة لأحكام الالتزام لا تنفصل عن:
الإثبات، والتكييف، والدعوى، والحكم، والحجية، والقوة التنفيذية، والتنفيذ الجبري.
وبذلك يصبح الالتزام نقطة اتصال بين القانون الموضوعي والقانون الإجرائي، وبين الفقه النظري والتطبيق القضائي، وبين ثبوت الحق وتحقيقه واقعًا.
[6/10, 8:41 م] gfyffd: الموسوعة القضائية والفقهية والعلمية المقارنة
الكتاب الثاني
أحكام الالتزام
دراسة تأصيلية فقهية قضائية مقارنة بالفقه الإسلامي والقضاء المصري وآراء الفقهاء
تأليف وبحث
المستشار والباحث مختار راجح
---
منهج الدراسة الموسع
لا تكتفي هذه الدراسة بذكر الحكم القانوني، وإنما تتبع كل مسألة وفق المنهج الآتي:
أولًا: تحرير محل النزاع.
ثانيًا: التأصيل في الفقه الإسلامي.
ثالثًا: عرض أقوال الفقهاء ومذاهبهم.
رابعًا: بيان أدلة كل اتجاه ومناقشتها.
خامسًا: بيان موقف التشريع المدني.
سادسًا: تحليل اتجاهات القضاء المصري، وبخاصة مبادئ محكمة النقض المصرية.
سابعًا: المقارنة بين الحكم الفقهي والحكم القانوني والقضائي.
ثامنًا: بيان مواطن الاتفاق والاختلاف.
تاسعًا: مناقشة الاتجاهات الفقهية والقضائية.
عاشرًا: إبداء رأي المؤلف وترجيحه مع بيان أسبابه.
وبذلك لا تكون الموسوعة مجرد تجميع للنصوص والأحكام، وإنما دراسة تحليلية نقدية تستخلص القاعدة من مصادرها المختلفة.
---
الباب الأول
ماهية الالتزام
المبحث الأول
حقيقة الالتزام
المطلب الأول
الالتزام في اللغة والاصطلاح
لفظ الالتزام مأخوذ من اللزوم، وهو الثبوت وعدم الانفكاك.
أما في الاصطلاح القانوني فهو رابطة قانونية بين شخصين، يكون بموجبها لأحدهما، وهو الدائن، أن يطالب الآخر، وهو المدين، بأداء مالي أو قابل للتقويم المالي.
ولا ينبغي أن يُفهم الالتزام باعتباره مجرد علاقة مادية؛ إذ إن العنصر الأساسي فيه هو الرابطة القانونية التي تجعل الأداء واجبًا وتحمي حق الدائن في المطالبة به.
---
المطلب الثاني
الالتزام في الفقه الإسلامي
أولًا: الدَّين والالتزام
عرف الفقه الإسلامي مفهوم الدين في الذمة، وهو من أقرب المفاهيم الفقهية إلى فكرة الالتزام المدني.
والدين قد ينشأ عن:
- البيع.
- القرض.
- السلم.
- الإجارة.
- الضمان.
- الكفالة.
- الإتلاف.
- الغصب.
- الإقرار.
- غير ذلك من الأسباب الشرعية.
لكن يجب الحذر من مساواة «الدين» في الفقه الإسلامي بالالتزام في القانون المدني مساواة مطلقة؛ لأن الالتزام القانوني أوسع من الدين في بعض الصور.
ثانيًا: الالتزام بالعمل
لم يقصر الفقه الإسلامي الالتزام على دفع المال، بل عرف التزامات العمل، كالتزام الأجير بالعمل، والصانع بإتمام العمل، والوكيل بتنفيذ الوكالة، والشريك بمقتضى عقد الشركة.
ثالثًا: الالتزام بالامتناع
عرف الفقه كذلك الشروط التي تلزم الشخص بالامتناع عن فعل معين متى كان الشرط مشروعًا، وهو ما يقترب من الالتزام السلبي في القانون المدني.
---
المطلب الثالث
آراء الفقهاء في طبيعة الالتزام
يمكن التمييز بين اتجاهات فقهية متعددة في تفسير جوهر الالتزام.
الاتجاه الأول: الالتزام رابطة شخصية
يركز هذا الاتجاه على العلاقة بين الدائن والمدين، ويرى أن جوهر الالتزام يتمثل في سلطة الدائن في مطالبة المدين بالأداء.
الاتجاه الثاني: الالتزام رابطة مالية
يركز على القيمة المالية للحق وعلى إمكانية التنفيذ على أموال المدين.
الاتجاه الثالث: الجمع بين المديونية والمسؤولية
وهذا الاتجاه يميز بين:
المديونية: وجوب الأداء.
و
المسؤولية: الخضوع للجزاء القانوني عند عدم الأداء.
وهذا التمييز بالغ الأهمية في دراسة الالتزام الطبيعي، والوفاء، والتنفيذ الجبري، والضمان العام.
رأي المؤلف
أرى أن الالتزام لا يمكن اختزاله في عنصر واحد.
فالالتزام يتكون من:
رابطة قانونية + مديونية + محل + قابلية للحماية + جزاء عند الإخلال.
وبذلك يكون الالتزام نظامًا مركبًا وليس مجرد دين في الذمة.
---
المبحث الثاني
محل الالتزام
المطلب الأول
الالتزام بإعطاء
يشمل نقل ملكية أو إنشاء حق عيني أو تسليم شيء أو أداء مبلغ.
ويثور هنا البحث في:
- محل الأداء.
- انتقال الملكية.
- التسليم.
- هلاك الشيء.
- تبعة الهلاك.
- أثر التأخير.
المقارنة الفقهية
يعرف الفقه الإسلامي صورًا متعددة للالتزام بإعطاء، وفي مقدمتها التزام البائع بالتسليم وتمكين المشتري من المبيع، والتزام المقترض برد مثل القرض في مواضعه، والتزام الغاصب برد العين أو ضمانها عند التلف.
---
المطلب الثاني
الالتزام بعمل
مثل:
- التزام المقاول بالإنجاز.
- التزام العامل بالعمل.
- التزام الوكيل بتنفيذ الوكالة.
- التزام الطبيب أو المهني في الحدود التي يقررها القانون وطبيعة العلاقة.
ويجب التمييز بين:
التزام بتحقيق نتيجة
و
التزام ببذل عناية.
وهذا التمييز يؤثر مباشرة في الإثبات وفي تحديد الإخلال.
رأي المؤلف
لا ينبغي إطلاق وصف «بذل العناية» أو «تحقيق النتيجة» على العلاقة دون فحص طبيعة العقد ومحل الالتزام؛ لأن التكييف الصحيح هو الذي يحدد عبء الإثبات ونطاق المسؤولية.
---
المطلب الثالث
الالتزام بالامتناع عن عمل
قد يكون محل الالتزام امتناع المدين عن تصرف معين.
ومن أمثلته:
- عدم المنافسة في الحدود المشروعة.
- عدم إفشاء السر.
- عدم البناء في موضع معين وفق اتفاق صحيح.
- عدم التصرف في مال في الحالات التي يجي فيها القانون ذلك.
ويثور هنا سؤال مهم:
هل يجوز إجبار المدين على الامتناع؟
والجواب يتوقف على طبيعة الالتزام، وعلى الوسيلة القانونية التي يمكن بها إزالة آثار المخالفة.
---
الباب الثاني
مصادر الالتزام
المبحث الأول
العقد
المطلب الأول
العقد في الفقه الإسلامي
العقد في الفقه الإسلامي يقوم على التراضي، مع مراعاة الأهلية والمحل والمشروعية والشروط الخاصة بكل عقد.
والعقود في الفقه ليست على درجة واحدة؛ فمنها:
- عقود المعاوضات.
- عقود التبرعات.
- عقود التوثيقات.
- عقود المشاركة.
- عقود الإرفاق.
ويختلف الحكم باختلاف طبيعة العقد وآثاره.
---
المطلب الثاني
القوة الملزمة للعقد
التحليل الفقهي
الأصل في العقد الصحيح اللزوم بحسب طبيعته.
لكن اللزوم ليس مطلقًا؛ فقد يثبت خيار أو حق فسخ أو إقالة أو بطلان أو فساد بحسب طبيعة العقد والسبب.
وهذا يقابل في القانون المدني فكرة القوة الملزمة للعقد.
التحليل القضائي
القضاء لا يحمي العقد لمجرد وجود محرر مكتوب، وإنما يتحقق من:
- انعقاد العقد.
- صحته.
- حقيقة الإرادة.
- مشروعية المحل.
- نطاق الالتزام.
- حصول الإخلال.
- الجزاء المترتب.
رأي المؤلف
العقد الصحيح ليس مجرد اتفاق خاص، بل هو مصدر لقاعدة ملزمة بين أطرافه في الحدود التي رسمها القانون والشرع.
---
المبحث الثاني
الفعل الضار
المطلب الأول
قاعدة لا ضرر ولا ضرار
تُعد قاعدة «لا ضرر ولا ضرار» من أهم الأصول التي يمكن أن يؤسس عليها البحث المقارن في المسؤولية.
لكن لا يجوز استعمالها بطريقة مجردة دون بحث عناصر المسؤولية وتحديد سبب الضمان.
---
المطلب الثاني
المباشرة والتسبب
هذه المسألة من أغنى المسائل المقارنة.
فالفقه الإسلامي يميز بين المباشر والمتسبب، بينما يستخدم القانون الحديث مفاهيم الخطأ والسببية والضرر.
والسؤال المقارن هو:
هل المباشرة في الفقه الإسلامي تقابل السببية القانونية؟
والجواب: ليست مطابقة لها تمامًا، ولكن توجد منطقة تداخل كبيرة بينهما.
رأي المؤلف
أرى أن المقارنة الصحيحة يجب أن تبحث السبب المنتج للضرر لا مجرد التشابه اللفظي بين المصطلحات.
---
الباب الثالث
تنفيذ الالتزام
المبحث الأول
التنفيذ الاختياري
التنفيذ الاختياري هو الغاية الطبيعية للالتزام.
والوفاء في الفقه الإسلامي يترتب عليه براءة الذمة بحسب مقدار الأداء الصحيح.
أما في القانون، فإن الوفاء الصحيح يؤدي إلى انقضاء الالتزام وفقًا لشروطه.
---
المبحث الثاني
التنفيذ العيني
أولًا: الأصل
التنفيذ العيني هو تنفيذ ذات الأداء المستحق.
وهو أكثر تحقيقًا لمصلحة الدائن من التعويض المالي عندما يكون الأداء ممكنًا.
ثانيًا: الفقه الإسلامي
الأصل في الديون رد الحق ذاته إذا كان قائمًا، ورد المثل في المثليات، والقيمة في القيميات بحسب الأحوال الفقهية.
ومن هنا يمكن إقامة مقارنة دقيقة بين:
رد العين — رد المثل — رد القيمة
وبين:
التنفيذ العيني — التنفيذ بمقابل.
---
المبحث الثالث
التنفيذ الجبري
التنفيذ الجبري لا يعني دائمًا التنفيذ العيني.
فقد يكون:
1. تنفيذًا عينيًا جبريًا.
2. تنفيذًا بطريق التعويض.
3. تنفيذًا على أموال المدين.
4. وسائل ضغط قانونية مقررة لحمل المدين على التنفيذ.
رأي المؤلف
يجب عدم الخلط بين:
حق الدائن في التنفيذ
و
وسيلة التنفيذ
و
محل التنفيذ
فقد يكون الحق هو التنفيذ العيني، والوسيلة هي التنفيذ الجبري، والمحل هو مال المدين أو الأداء محل الالتزام.
---
المبحث الرابع
استحالة التنفيذ
الاستحالة المادية
مثل هلاك الشيء محل الالتزام.
الاستحالة القانونية
مثل صدور تشريع يجعل التنفيذ غير مشروع.
الاستحالة الجزئية
عندما يصبح جزء من الالتزام غير قابل للتنفيذ.
الاستحالة المؤقتة
عندما يكون التنفيذ ممكنًا في المستقبل.
رأي المؤلف
لا يكفي القول إن التنفيذ «مستحيل»؛ بل يجب تحديد:
هل الاستحالة مطلقة أم نسبية؟
دائمة أم مؤقتة؟
مادية أم قانونية؟
سابقة أم لاحقة؟
راجعة إلى المدين أم إلى سبب أجنبي؟
لأن كل وصف يترتب عليه أثر قانوني مختلف.
---
الباب الرابع
الإخلال بالالتزام
المبحث الأول
صور الإخلال
الإخلال قد يكون:
- عدم تنفيذ.
- تنفيذًا ناقصًا.
- تنفيذًا معيبًا.
- تنفيذًا متأخرًا.
- تنفيذًا مخالفًا للمواصفات.
- تنفيذًا في غير المكان أو الزمان المتفق عليه.
وهنا يجب على القاضي تحديد الصورة بدقة قبل تحديد الجزاء.
---
المبحث الثاني
إعذار المدين
الإعذار ليس مجرد إجراء شكلي، بل له وظيفة قانونية مهمة في تحديد لحظة التأخير وآثاره، مع مراعاة الحالات التي لا يشترط فيها الإعذار وفقًا للقانون.
رأي المؤلف
ينبغي عدم التعامل مع الإعذار باعتباره شرطًا جامدًا في جميع الحالات، بل يجب ربطه بطبيعة الالتزام وبالنص الذي يحكم الواقعة.
---
الباب الخامس
التعويض
المبحث الأول
الأساس الفقهي للتعويض
التعويض في الفقه الإسلامي يرتبط بفكرة الضمان وجبر الضرر ورد الحقوق.
لكن لا يصح اختزال الضمان الفقهي في التعويض المالي الحديث؛ لأن الفقه يعرف:
- رد العين.
- رد المثل.
- رد القيمة.
- أرش النقص.
- ضمان المنافع في بعض الصور.
- صورًا أخرى من الجبر بحسب محل الحق وطبيعة الضرر.
---
المبحث الثاني
التعويض في القضاء المصري
يجب عند دراسة كل حكم قضائي بيان:
وقائع القضية → طلبات الخصوم → المسألة القانونية → أسباب الحكم → القاعدة القضائية → نطاق تطبيقها → حدودها والاستثناءات عليها.
ولا يكفي نقل عبارة من حكم محكمة النقض دون بيان سياقها.
---
المبحث الثالث
الضرر
يبحث في:
الضرر المادي
وهو ما يصيب المال أو الجسم أو المصلحة المالية.
الضرر الأدبي
وهو ما يصيب الاعتبار أو الشعور أو الكرامة أو غير ذلك من المصالح غير المالية التي يحميها القانون في الحدود المقررة.
الضرر المباشر
يشترط لقيام التعويض أن يكون الضرر مرتبطًا بالفعل أو الإخلال على نحو يعتد به قانونًا.
---
المبحث الرابع
تفويت الفرصة
تفويت الفرصة من المسائل الدقيقة؛ لأن الفرصة ليست نتيجة مؤكدة.
والتعويض لا يكون عن النتيجة المفترضة باعتبارها أمرًا محققًا، وإنما عن الفرصة ذاتها متى ثبتت جديتها وتحقق الضرر وفق المعايير القانونية.
رأي المؤلف
أرى أن القضاء في هذه المسألة يجب أن يميز بين:
فرصة حقيقية قابلة للتقييم
وبين:
أمل أو احتمال بعيد لا يرقى إلى مصلحة جديرة بالتعويض.
---
الباب السادس
أوصاف الالتزام
يتوسع البحث في:
الشرط
- الشرط الواقف.
- الشرط الفاسخ.
- الشرط المستحيل.
- الشرط المخالف للنظام العام.
- الشرط الإرادي.
- الشرط المختلط.
الأجل
- الأجل الواقف.
- الأجل الفاسخ.
- الأجل الصريح.
- الأجل الضمني.
- سقوط الأجل.
المقارنة الفقهية
تُقارن هذه الصور بما قرره الفقهاء في التعليق والإضافة والشرط في العقود، مع بيان الاختلاف الاصطلاحي والموضوعي.
---
الباب السابع
التضامن
يدرس:
- التضامن بين المدينين.
- التضامن بين الدائنين.
- مصدر التضامن.
- التضامن الاتفاقي.
- التضامن القانوني.
- أثر الوفاء.
- أثر الإبراء.
- الرجوع بين المدينين.
رأي المؤلف
التضامن ليس مفترضًا لمجرد تعدد المدينين، بل يجب تحديد مصدره ونطاقه؛ لأن الأصل هو استقلال الذمم ما لم يوجد أساس يجعلها متضامنة.
---
الباب الثامن
انتقال الالتزام
حوالة الحق
تبحث في:
- أركانها.
- نفاذها.
- موقف المدين.
- أثرها على الضمانات.
- الدفوع.
- حجيتها.
حوالة الدين
تبحث في:
- رضا الأطراف.
- انتقال الدين.
- براءة المدين الأصلي.
- بقاء الضمانات.
- أثر الحوالة في الدائن.
المقارنة الفقهية
يقارن ذلك بالحوالة الفقهية، مع بيان أن الحوالة في الفقه الإسلامي لها بناء خاص لا يلزم أن يتطابق تمامًا مع النظام المدني الحديث.
---
الباب التاسع
انقضاء الالتزام
المبحث الأول
الوفاء
يدرس الوفاء من حيث:
- الموفي.
- الموفى له.
- محل الوفاء.
- زمانه.
- مكانه.
- إثباته.
- الوفاء من الغير.
- الوفاء الجزئي.
المبحث الثاني
المقاصة
تقارن المقاصة القانونية بالمقاصة في الفقه الإسلامي، مع بيان شروط كل منهما وأثرها.
المبحث الثالث
اتحاد الذمة
وهو اجتماع صفتي الدائن والمدين في شخص واحد بالنسبة إلى الدين ذاته، وما يترتب عليه من زوال الالتزام في الحدود التي يقررها القانون.
المبحث الرابع
الإبراء
يقارن الإبراء القانوني بالإبراء في الفقه الإسلامي، مع بحث طبيعته وهل هو إسقاط أم تصرف ذو طبيعة أخرى بحسب الاتجاه الفقهي.
---
الباب العاشر
الالتزام والحكم القضائي
هذا الباب يمثل الجانب القضائي المركزي في الدراسة.
المبحث الأول
تكييف الالتزام
لا يتقيد القاضي بالوصف الذي يعطيه الخصوم لعلاقتهم القانونية، وإنما يستخلص حقيقتها من الوقائع الثابتة.
المبحث الثاني
حجية الحكم
تبحث حجية الحكم بالنسبة إلى:
- أطرافه.
- موضوعه.
- سببه.
- نطاقها.
- أثرها على الالتزام.
المبحث الثالث
القوة التنفيذية
يبحث الفرق بين:
الحكم الكاشف
و
الحكم المنشئ
و
الحكم الإلزامي
وأثر ذلك في التنفيذ.
---
الباب الحادي عشر
رأي المؤلف في النظرية العامة للالتزام
أرى أن النظرية التقليدية للالتزام تحتاج إلى إعادة تنظيم من زاوية وظيفية.
فبدل النظر إلى الالتزام على أنه:
مصدر → أثر → انقضاء
فحسب، ينبغي النظر إليه باعتباره دورة قانونية متكاملة:
مصدر الالتزام
↓
تحديد محله
↓
نشوء المديونية
↓
استحقاق الأداء
↓
التنفيذ الاختياري
↓
الإخلال
↓
الإعذار
↓
الدعوى
↓
الإثبات
↓
الحكم
↓
الحجية
↓
القوة التنفيذية
↓
التنفيذ الجبري
↓
الوفاء أو التعويض
↓
انقضاء الالتزام.
وهذا التصور، في رأيي، أكثر قدرة على تفسير العلاقة بين القانون المدني وقانون المرافعات والتنفيذ والقواعد الفقهية.
---
الخلاصة
إن المقارنة بين الفقه الإسلامي والقانون المدني والقضاء المصري لا ينبغي أن تكون مجرد مقابلة بين نصوص، وإنما ينبغي أن تكشف:
الأصل الفقهي للقاعدة، والتطور التشريعي لها، وكيف فهمها القضاء، وكيف طبقت عمليًا، وما حدودها، وما الاستثناءات عليها.
ومن ثم فإن كل مسألة في هذه الموسوعة ستُعالج على النحو الآتي:
«النص → الفقه الإسلامي → أقوال الفقهاء → أدلة الأقوال → القانون → القضاء المصري → التطبيق → النقد والتحليل → الترجيح → رأي المؤلف.»
وهذا هو الأسلوب الذي سيعتمد في بقية أبواب الكتاب، مع تجنب تكرار أحكام التعويض أو التنفيذ في أكثر من موضع، وربط كل مسألة بمكانها الأصلي مع الإحالة إليها عند الحاجة.
تأليف وبحث:
المستشار والباحث مختار راجح
[6/10, 8:41 م] gfyffd: الموسوعة القضائية والفقهية والعلمية المقارنة
الكتاب الثاني
أحكام الالتزام
دراسة تأصيلية فقهية قضائية مقارنة بالفقه الإسلامي والقضاء المصري وآراء الفقهاء ورأي المؤلف
تأليف وبحث
المستشار والباحث مختار راجح
---
الباب الأول
حقيقة الالتزام وبنيته القانونية والفقهية
المبحث الأول
الطبيعة القانونية للالتزام
المطلب الأول
الالتزام رابطة بين الحق والواجب
لا يمكن فهم الالتزام فهمًا صحيحًا إلا بالنظر إليه من جانبيه المتقابلين؛ فهو من جهة حق للدائن، ومن جهة أخرى واجب على المدين.
فإذا كان لشخص حق مطالبة آخر بمبلغ من المال، فإن هذا الحق الشخصي لا يوجد منفصلًا عن واجب المدين، وإنما تقوم رابطة واحدة ذات وجهين:
حق في جانب الدائن، والتزام في جانب المدين.
وهذه الثنائية لها أثر بالغ في تحديد نطاق الدعوى؛ لأن الدائن لا يطالب بمجرد مصلحة اقتصادية، وإنما يطالب بتنفيذ مركز قانوني محدد.
التأصيل الفقهي
عرف الفقه الإسلامي هذه الثنائية وإن لم يصغها دائمًا بالمصطلحات الحديثة.
فالدين في ذمة المدين يقابله حق الدائن، والضمان يقابله حق المطالبة، والالتزام بالوفاء يقابله حق الاستيفاء.
وتظهر هذه الثنائية بوضوح في أحكام الديون، والبيوع، والإجارة، والقرض، والكفالة، والحوالة.
والفقه الإسلامي لا ينظر إلى المال باعتباره قيمة مجردة فقط، بل يربط استحقاقه بسبب مشروع؛ ولذلك لا يكفي أن يدعي شخص وجود حق، بل يجب معرفة سبب استحقاقه.
وهذا يلتقي مع القاعدة القضائية التي تجعل تحديد سبب الالتزام مسألة جوهرية في الفصل في النزاع.
التحليل القانوني
يتميز الالتزام المدني عن الواجب الأخلاقي بأن القانون يعترف للدائن بوسيلة للمطالبة بحقه.
فإذا امتنع المدين عن التنفيذ، يستطيع الدائن ــ بحسب طبيعة الالتزام ــ أن يطلب:
- التنفيذ العيني.
- الفسخ.
- التعويض.
- أو غير ذلك من الجزاءات القانونية.
ومن هنا فإن الحماية القضائية ليست عنصرًا عرضيًا في نظرية الالتزام، وإنما تمثل الجانب العملي لها.
رأي المؤلف
أرى أن التعريف الذي يختزل الالتزام في «رابطة مالية» غير كافٍ؛ لأن جوهر الالتزام هو الرابطة القانونية التي تجعل الأداء واجبًا وتحول الحق إلى مركز قابل للحماية القضائية والتنفيذ.
ولهذا فإن الالتزام لا يكتمل من الناحية العملية إلا بوجود ثلاثة مستويات:
الحق → الحكم → التنفيذ.
فالحق من دون حماية قضائية قد يبقى مجرد ادعاء، والحكم من دون قوة تنفيذية قد يبقى مجرد تقرير، والتنفيذ من دون حق ثابت يكون اعتداءً على ذمة الغير.
---
المطلب الثاني
المديونية والمسؤولية
من أهم المسائل النظرية في أحكام الالتزام التمييز بين المديونية والمسؤولية.
فالمديونية تعني أن شخصًا أصبح مطالبًا بأداء معين.
أما المسؤولية فتعني تعرض ذمته للجزاء القانوني عند عدم تنفيذ ما وجب عليه.
وهذا التمييز يفسر عددًا من المسائل التي تبدو متعارضة لأول وهلة.
فقد توجد مديونية دون إمكانية فورية للإجبار، وقد تنشأ المسؤولية عند تحقق شروط معينة للإخلال.
في الفقه الإسلامي
يظهر هذا التمييز في فكرة الدين في الذمة من جهة، والضمان من جهة أخرى.
فقد يثبت الدين، ثم يبحث بعد ذلك في كيفية استيفائه وضمانه.
كما أن أحكام الحجر والإعسار وتأجيل الدين والكفالة والحوالة تكشف أن ثبوت الدين شيء، وضمان استيفائه شيء آخر.
في القانون
ينعكس التمييز على مرحلتين:
مرحلة ثبوت الالتزام.
ثم:
مرحلة الجزاء عند عدم التنفيذ.
ولا يجوز الانتقال إلى الجزاء قبل إثبات أصل الالتزام ومحلّه واستحقاقه.
رأي المؤلف
أرى أن التمييز بين المديونية والمسؤولية ينبغي أن يكون أساسًا لفهم التنفيذ؛ لأن ثبوت الالتزام لا يعني تلقائيًا ثبوت كل صور المسؤولية، كما أن ثبوت الضرر لا يغني عن إثبات مصدر الالتزام والسببية في المواضع التي يتطلب فيها القانون ذلك.
---
المبحث الثاني
محل الالتزام
المطلب الأول
الالتزام بإعطاء شيء
يقصد بالالتزام بإعطاء التزام المدين بنقل أو إنشاء حق أو تسليم مال أو أداء مبلغ بحسب طبيعة الرابطة.
وتتعدد صوره:
- نقل ملكية.
- تسليم مبيع.
- رد مال.
- أداء دين نقدي.
- نقل حق.
- رد عين مغصوبة أو أمانة.
التأصيل الفقهي
يميز الفقه الإسلامي بين العين والمثل والقيمة.
فإذا كان محل الحق عينًا معينة، كان الأصل ردها متى بقيت.
فإذا هلكت، بحث الفقه في ضمانها بحسب طبيعتها، وهل هي مثلية أو قيمية، وهل الهلاك بفعل المعتدي أو بغير فعله.
وهذا النظام يكشف عن عمق الفقه في التمييز بين محل الحق وبدل الحق.
التحليل المقارن
في القانون المدني يظهر هذا التمييز في الانتقال من التنفيذ العيني إلى التعويض عند استحالة التنفيذ أو تعذر تحقيقه بالشروط القانونية.
ومن هنا يمكن القول إن التعويض ليس دائمًا هو الحق الأصلي، وإنما قد يكون بدلًا عن الأداء الأصلي.
رأي المؤلف
أرى أن القاعدة التي يجب اعتمادها هي:
«لا يُعدل عن محل الالتزام إلى بدله إلا بسبب قانوني يبرر ذلك».
فإذا كان محل الالتزام قائمًا وقابلًا للتنفيذ، وجب بحث التنفيذ العيني قبل تقرير التعويض عن عدم التنفيذ.
---
المطلب الثاني
الالتزام بعمل
الالتزام بعمل من أكثر صور الالتزام تعقيدًا؛ لأن العمل قد يكون ماديًا أو قانونيًا، وقد يكون شخصيًا أو قابلًا للقيام به بواسطة الغير.
ومن أمثلته:
- بناء منزل.
- إصلاح مال.
- تسليم مستند.
- القيام بإجراء.
- تنفيذ عمل مهني.
- إنشاء مشروع.
- القيام بعمل قانوني.
التزام بتحقيق نتيجة والتزام ببذل عناية
هذا التمييز ليس مجرد تصنيف فقهي، وإنما يترتب عليه أثر مباشر في الإثبات.
فإذا كان المدين ملتزمًا بتحقيق نتيجة محددة، فإن عدم تحقق النتيجة يثير مسألة الإخلال بالالتزام، ما لم يثبت سبب قانوني يعفيه.
أما إذا كان الالتزام ببذل عناية، فإن البحث ينصرف إلى معيار العناية المطلوبة، وهل بذل المدين ما يفرضه القانون أو العقد أو طبيعة المهنة.
رأي المؤلف
لا يجوز تحديد طبيعة الالتزام بمجرد إطلاق عبارة «عناية» أو «نتيجة»، وإنما يجب الرجوع إلى:
نص العقد، وطبيعة العمل، والعرف، والقانون، والظروف المحيطة بالتنفيذ.
والقاضي هو الذي يكيف الالتزام تكييفًا قانونيًا صحيحًا بناءً على هذه العناصر.
---
المطلب الثالث
الالتزام بالامتناع عن عمل
قد يكون محل الالتزام سلبيًا، أي امتناع المدين عن عمل كان يستطيع القيام به أصلًا.
ومن أمثلته:
- الامتناع عن منافسة مشروعة الاتفاق على منعها.
- عدم إفشاء المعلومات السرية.
- عدم القيام بتصرف معين.
- عدم التعرض لحق الغير.
وتبرز هنا مسألة مهمة:
كيف ينفذ الالتزام السلبي إذا خالفه المدين؟
الجواب يختلف بحسب طبيعة الالتزام؛ فقد يكون العلاج:
- إزالة أثر المخالفة.
- وقف العمل.
- التنفيذ على نفقة المدين في الحالات الممكنة.
- التعويض.
- أو الجمع بين بعض هذه الوسائل إذا سمح القانون.
رأي المؤلف
التنفيذ في الالتزام السلبي لا ينبغي أن يتحول إلى عقوبة مستقلة، بل يجب أن يكون هدفه إعادة المركز القانوني إلى ما كان ينبغي أن يكون عليه لو احترم المدين التزامه.
---
المبحث الثالث
شروط محل الالتزام
المطلب الأول
إمكانية المحل
لا يجوز أن يكون محل الالتزام مستحيلًا استحالة مطلقة عند نشوء الالتزام، إلا وفق الأحكام الخاصة التي يقررها القانون لكل حالة.
ويجب التمييز بين:
الاستحالة المطلقة
و
الاستحالة النسبية.
فالشيء قد يكون مستحيلًا على شخص معين لكنه ممكن في ذاته، وهذه ليست بالضرورة الاستحالة التي تمنع نشوء الالتزام.
في الفقه الإسلامي
بحث الفقهاء شروط القدرة على التسليم والإمكان والمقدرة، وربطوا بعض العقود بقدرة المتعاقد على تسليم المعقود عليه.
وهذا يظهر في أحكام البيوع، والسلم، والإجارة وغيرها.
رأي المؤلف
المعيار يجب أن يكون موضوعيًا في الأصل؛ فلا يجوز للمدين أن يحول عجزه الشخصي إلى استحالة قانونية تعفيه من الالتزام.
---
المطلب الثاني
مشروعية المحل
لا يحمي القانون التزامًا يكون محله مخالفًا للنظام العام أو الآداب أو نصوص القانون الآمرة.
والفقه الإسلامي يقابل ذلك بمشروعية محل العقد وعدم تعلقه بمحرم أو غير مشروع.
وهنا تظهر وحدة الغاية بين النظامين، مع اختلاف مصادر المشروعية وحدودها.
---
الباب الثاني
مصادر الالتزام — دراسة معمقة
المبحث الأول
العقد كمصدر للالتزام
المطلب الأول
العقد الصحيح وأثره
العقد الصحيح هو الذي استوفى عناصره وشروطه القانونية، فيرتب آثاره.
والقاعدة أن العقد لا يكون مجرد وعد أدبي بعد انعقاده صحيحًا، بل يصبح مصدرًا للالتزام.
في الفقه الإسلامي
الأصل في العقود الصحيحة لزوم آثارها بحسب طبيعتها.
لكن الفقه لم يجعل اللزوم مطلقًا؛ إذ توجد الخيارات، والفسخ، والإقالة، والعيوب، والغرر، والتدليس، والإكراه وغير ذلك من الأسباب التي قد تؤثر في العقد.
التحليل القضائي
القاضي لا يبدأ بتحديد الجزاء قبل أن يتحقق من وجود العقد وصحته ونطاقه.
ولذلك فإن ترتيب المسؤولية العقدية يفترض منطقيًا:
عقد صحيح → التزام → إخلال → ضرر أو أثر قانوني → جزاء.
رأي المؤلف
لا يصح اختزال المسؤولية العقدية في مجرد وجود عقد؛ إذ يجب أن يحدد القاضي ما الالتزام الذي نشأ عن العقد تحديدًا، ثم يبحث هل وقع إخلال به.
---
المبحث الثاني
حسن النية
حسن النية من المبادئ التي تتجاوز التنفيذ الحرفي إلى مراعاة مقتضيات التعامل المشروع.
فقد ينفذ المدين العبارة الظاهرة في العقد لكنه يتصرف بطريقة تهدم الغرض المشروع منه.
التأصيل الفقهي
يتصل حسن النية بمبادئ:
- الوفاء بالعهد.
- تحريم الغش.
- تحريم التدليس.
- منع الضرر.
- النهي عن أكل المال بالباطل.
رأي المؤلف
حسن النية لا ينبغي أن يتحول إلى أداة لإنشاء التزامات لم يتضمنها العقد، وإنما يستخدم في تفسير نطاق الالتزام وتنفيذه ومنع التحايل على الغرض المشروع منه.
---
المبحث الثالث
الفعل الضار
المطلب الأول
الخطأ
الخطأ هو أحد أهم عناصر المسؤولية التقصيرية.
ولكن تحديده لا يكون بمجرد وصف الفعل بأنه «غير مناسب»، بل يجب بيان القاعدة التي خالفها المدين.
المقارنة الفقهية
يقابل الخطأ القانوني في الفقه صور من التعدي والتفريط.
التعدي: مجاوزة ما ينبغي فعله أو ما أذن فيه.
التفريط: ترك ما يجب فعله من الاحتياط والعناية.
وهذا التقابل يمثل أحد أهم مواضع المقارنة بين النظرية الفقهية والمسؤولية المدنية.
رأي المؤلف
أرى أن معيار الخطأ يجب أن يبنى على السلوك الواجب في الظروف ذاتها، لا على النتيجة وحدها؛ لأن وقوع الضرر لا يعني دائمًا أن المدين أخطأ.
---
المطلب الثاني
الضرر
لا تعويض بلا ضرر في نطاق المسؤولية التي يشترط فيها تحقق الضرر.
والضرر قد يكون:
- ماديًا.
- أدبيًا.
- محققًا.
- مستقبليًا متى أمكن تقديره وفقًا للقواعد القانونية.
- مباشرًا.
- وقد تثار بشأن تفويت الفرصة شروط خاصة.
في الفقه الإسلامي
تتسع تطبيقات الضمان لتشمل صورًا متعددة من النقص والهلاك والمنافع بحسب طبيعة المال والفعل.
لكن لا يجوز نقل الحكم من صورة فقهية إلى أخرى دون مراعاة الفروق في محل الحق وسبب الضمان.
---
المطلب الثالث
علاقة السببية
السببية هي الحلقة التي تربط الفعل بالضرر.
فإذا تعددت الأسباب، وجب تحديد السبب المؤثر قانونًا.
وهذه من أعقد مسائل المسؤولية المدنية؛ لأن الضرر قد ينتج عن سلسلة من الوقائع.
المقارنة الفقهية
يعالج الفقه الإسلامي المسألة من خلال المباشرة والتسبب، والتعدي، والتفريط، والعوامل المتداخلة.
رأي المؤلف
لا ينبغي البحث عن «سبب واحد» بصورة آلية في كل واقعة، وإنما يجب تحديد السبب القانوني المنتج للضرر في ضوء طبيعة الواقعة والقواعد الحاكمة لها.
---
الباب الثالث
التنفيذ العيني والتعويض
المبحث الأول
أولوية التنفيذ العيني
الأصل أن يحصل الدائن على عين ما استحقه متى كان التنفيذ ممكنًا.
والسبب في ذلك أن التعويض المالي قد يجبر الضرر، لكنه لا يساوي دائمًا الأداء الأصلي.
فمن استحق تسليم عين معينة لا يتحقق غرضه دائمًا بمجرد منحه مبلغًا من المال.
في الفقه الإسلامي
الأصل رد الحق إلى صاحبه متى بقيت العين.
فرد المغصوب مثلًا يختلف عن ضمانه عند الهلاك.
في القانون
التنفيذ العيني هو الأصل متى كان ممكنًا وتوافرت شروطه.
رأي المؤلف
أرى أن معيار العدالة هنا هو:
«إعادة الحق إلى صاحبه قبل البحث في قيمة الحق».
فالقيمة النقدية تكون بديلًا عندما يتعذر أو لا يكون التنفيذ العيني هو الوسيلة القانونية الملائمة.
---
المبحث الثاني
التعويض عن عدم التنفيذ
إذا استحال التنفيذ العيني أو توافرت شروط التعويض عنه، انتقل البحث إلى الضرر.
ويجب تحديد:
1. هل وقع عدم التنفيذ؟
2. هل كان المدين مسؤولًا عنه؟
3. هل وقع ضرر؟
4. ما علاقة السببية؟
5. ما مقدار الضرر؟
6. هل يوجد اتفاق على التعويض؟
7. هل يوجد سبب للإعفاء أو الحد من المسؤولية؟
ولا يجوز الانتقال مباشرة إلى تقدير مبلغ التعويض قبل الإجابة عن هذه الأسئلة.
---
المبحث الثالث
التعويض عن التأخير
التأخير لا يعني دائمًا عدم التنفيذ.
فقد يؤدي المدين الأداء كاملًا ولكن بعد فوات الميعاد.
وفي هذه الحالة يكون محل البحث هو الضرر الذي سببه التأخير.
ومن هنا يجب الفصل بين:
التعويض البديل عن التنفيذ
و
التعويض المكمل للتنفيذ بسبب التأخير.
رأي المؤلف
هذه التفرقة ضرورية لمنع الازدواج في التعويض.
فإذا حصل الدائن على محل الالتزام، فلا يجوز أن يحصل مرة أخرى على قيمته باعتبارها تعويضًا عن عدم التنفيذ، لكنه قد يستحق تعويضًا مستقلًا عن الضرر الذي سببه التأخير.
---
الباب الرابع
القوة التنفيذية للالتزام والحكم القضائي
المبحث الأول
من الحق إلى الحكم
قد يكون الالتزام ثابتًا في الواقع، لكن المدين ينازع فيه.
هنا تدخل الخصومة القضائية.
ويصبح على الدائن إثبات:
مصدر الالتزام، ومحلّه، واستحقاقه، والإخلال به.
ويصبح على المحكمة أن تحدد التكييف القانوني الصحيح.
---
المبحث الثاني
الحكم القضائي كحلقة في تنفيذ الالتزام
الحكم لا ينشئ دائمًا الحق، فقد يكون الحق سابقًا عليه.
لكن الحكم قد يحوله إلى مركز قضائي قابل للتنفيذ.
ومن هنا يجب التمييز بين:
وجود الحق
و
ثبوت الحق قضائيًا
و
إمكان تنفيذه جبريًا.
رأي المؤلف
أرى أن الخطأ في الخلط بين هذه المراحل يؤدي إلى اضطراب في التطبيق؛ لأن حجية الحكم شيء، وقوته التنفيذية شيء آخر.
فقد يكون الحكم حائزًا للحجية، ولكن التنفيذ يحتاج إلى استيفاء شروطه الإجرائية.
---
المبحث الثالث
حجية الحكم في الالتزام
إذا صدر حكم نهائي في شأن التزام، فإن البحث لا يتوقف عند وجود الحكم، وإنما يجب تحديد:
- ما الذي فصل فيه؟
- بين من؟
- وبأي سبب؟
- وفي أي نطاق؟
لأن الحجية لا تمتد إلى كل ما ورد في الخصومة، وإنما إلى ما فصل فيه الحكم وفقًا للقواعد القانونية المنظمة للحجية.
رأي المؤلف
أرى أن دراسة حجية الحكم في مسائل الالتزام يجب أن تركز على وحدة الحق والسبب والأطراف والنطاق الذي فصل فيه الحكم، مع عدم الخلط بين أسباب الحكم ومنطوقه وبين الحجية التنفيذية لما قضى به.
---
خلاصة المرحلة
يتضح من التحليل أن أحكام الالتزام لا يمكن فصلها عن القضاء والتنفيذ.
فالالتزام يبدأ بسبب:
عقد، أو إرادة منفردة، أو فعل ضار، أو فعل نافع، أو قانون.
ثم يتحول إلى:
مديونية.
ثم يصبح:
حقًا مستحق الأداء.
فإذا نفذ المدين:
انقضى الالتزام بالوفاء.
وإذا أخل:
نشأت آثار الإخلال.
وإذا تنازع الطرفان:
انتقل النزاع إلى القضاء.
فإذا صدر الحكم:
ثبت المركز القضائي في حدود الحجية.
ثم تأتي:
القوة التنفيذية للحكم والتنفيذ الجبري.
وبذلك تتكامل النظرية:
مصدر الالتزام ← محله ← استحقاقه ← تنفيذه ← الإخلال ← الدعوى ← الإثبات ← الحكم ← الحجية ← القوة التنفيذية ← التنفيذ ← الانقضاء.
وهذه هي البنية التي سيُبنى عليها باقي الكتاب، مع جعل كل حكم فقهي أو قضائي موضوعًا للتحليل والمناقشة لا مجرد نص يُنقل، ومع فصل المسائل المتشابهة ودمج الموضوعات المتكررة، وبخاصة التعويض والتنفيذ والمسؤولية، في مواضعها العلمية الأصلية.
[6/10, 8:42 م] gfyffd: الموسوعة القضائية والفقهية والعلمية المقارنة
الكتاب الثاني
أحكام الالتزام
دراسة تأصيلية فقهية قضائية مقارنة بالفقه الإسلامي والقضاء المصري وآراء الفقهاء ورأي المؤلف
تأليف وبحث
المستشار والباحث مختار راجح
---
الباب الخامس
أوصاف الالتزام
المبحث الأول
الالتزام البسيط والالتزام الموصوف
الالتزام البسيط هو الذي يكون نافذًا ومستحق الأداء دون أن يرتبط بشرط أو أجل أو وصف آخر يؤثر في وجوده أو نفاذه أو استحقاقه.
أما الالتزام الموصوف فهو الذي يلحقه وصف يغير من كيفية نفاذه أو استحقاقه أو انقضائه، كالشرط والأجل والتعدد والتخيير.
وهذه الأوصاف ليست مجرد إضافات شكلية، بل قد تغير مركز الدائن والمدين تغييرًا جوهريًا.
---
المبحث الثاني
الشرط
المطلب الأول
ماهية الشرط
الشرط أمر مستقبل غير محقق الوقوع، يعلق عليه وجود الأثر القانوني أو زواله بحسب طبيعة الشرط.
ويجب التمييز بين:
الشرط الواقف
و
الشرط الفاسخ.
فالشرط الواقف يعلق نفاذ الأثر أو وجوده القانوني بحسب النظام الذي يحكمه، بينما الشرط الفاسخ يترتب على تحققه زوال الأثر.
---
المطلب الثاني
الشرط في الفقه الإسلامي
تناول الفقهاء الشروط في العقود بتفصيل واسع، وميزوا بين الشروط الصحيحة والفاسدة والباطلة بحسب المذهب وطبيعة العقد ومضمون الشرط.
ويظهر من استقراء الفقه الإسلامي أن الشرط لا يُقبل لمجرد اتفاق المتعاقدين عليه؛ بل ينظر إلى:
- مشروعيته.
- مدى اتصاله بالعقد.
- مخالفته لمقتضى العقد.
- أثره في الحقوق.
- وجود الغرر أو الضرر.
ومن هنا تظهر قاعدة مهمة:
ليس كل شرط تعاقدي شرطًا صحيحًا ملزمًا.
رأي المؤلف
أرى أن صحة الشرط ينبغي أن تبحث في ثلاثة مستويات:
مشروعية الشرط → أثره في العقد → أثر تحققه في الالتزام.
فقد يكون الشرط مشروعًا، ولكن تحققه لا يؤدي إلى النتيجة التي يتصورها أحد الطرفين إذا كان القانون يرتب عليه أثرًا مختلفًا.
---
المبحث الثالث
الشرط الواقف
إذا عُلّق الالتزام على أمر مستقبل غير محقق الوقوع، فإن استحقاق الأثر يتوقف على تحقق الشرط وفقًا للقواعد المنظمة له.
الأثر الفقهي
يقارب ذلك بعض صور التعليق في الفقه الإسلامي، مع ضرورة عدم مساواة المصطلحات الحديثة بالمصطلحات الفقهية دون تحليل.
الأثر القضائي
عند النزاع يجب على المحكمة أن تبحث:
1. هل يوجد شرط أصلًا؟
2. هل هو صحيح؟
3. هل هو واقف أم فاسخ؟
4. هل تحقق؟
5. متى تحقق؟
6. ما أثر تحققه؟
7. هل يجوز لأحد الطرفين منع تحقق الشرط بقصد تحقيق مصلحة لنفسه؟
رأي المؤلف
منع أحد المتعاقدين تحقق الشرط بسوء نية لا ينبغي أن يستفيد منه من فعله، لأن السماح بذلك يحول الشرط من وسيلة لتنظيم الالتزام إلى وسيلة للتحايل على الالتزام.
---
المبحث الرابع
الشرط الفاسخ
الشرط الفاسخ لا يمنع وجود الرابطة ابتداءً، وإنما يرتب زوال الأثر عند تحقق الواقعة التي عُلّق عليها الفسخ، وفقًا لطبيعة الشرط والقانون الحاكم.
وهنا يجب التمييز بين:
الشرط الفاسخ
و
الفسخ القضائي
و
الفسخ الاتفاقي.
فالشرط وصف للعقد أو الالتزام، أما الفسخ فقد يكون جزاءً على الإخلال أو نتيجة لاتفاق أو نص.
رأي المؤلف
الخلط بين هذه الصور يؤدي إلى خطأ في تحديد آثار الحكم؛ ولذلك يجب على القاضي أن يحدد المصدر الذي يستند إليه زوال الالتزام قبل تقرير آثاره.
---
المبحث الخامس
الأجل
المطلب الأول
مفهوم الأجل
الأجل أمر مستقبل محقق الوقوع يضاف إليه تنفيذ الالتزام أو انقضاؤه.
والفرق الجوهري بين الشرط والأجل هو أن:
الشرط غير محقق الوقوع.
أما:
الأجل فمحقق الوقوع، وإن كان زمن تحققه مستقبلًا.
وهذا الفرق له آثار كبيرة في تحديد استحقاق الدين.
---
المطلب الثاني
الأجل في الفقه الإسلامي
عرف الفقه الإسلامي تأجيل الديون والبيوع والإجارات وغيرها.
ومن أهم المسائل الفقهية في هذا المجال:
- تحديد المدة.
- العلم بالأجل.
- أثر الجهالة.
- حلول الدين.
- تأجيل الدين.
- إسقاط الأجل.
- سقوط الأجل.
وتبرز هنا أهمية استقرار الأجل بالنسبة إلى المدين والدائن.
رأي المؤلف
الأجل ليس مجرد تأخير زمني، وإنما مركز قانوني يحمي مصلحة الطرفين.
فالدائن يملك الحق، والمدين يملك مهلة الأداء، ولا يجوز إهدار هذا التوازن دون أساس قانوني.
---
الباب السادس
تعدد محل الالتزام
المبحث الأول
الالتزام التخييري
يكون الالتزام تخييريًا عندما تتعدد محلات الأداء ويكون تنفيذ أحدها كافيًا بحسب القانون أو الاتفاق.
وتثور المسائل الآتية:
- من يملك الاختيار؟
- متى يمارس الاختيار؟
- أثر عدم الاختيار.
- أثر استحالة أحد المحال.
- أثر اختيار أحدها.
- انتقال الاختيار.
- نطاق سلطة القضاء.
المقارنة الفقهية
تظهر صور قريبة من ذلك في بعض المعاملات الفقهية التي يكون فيها الخيار بين بدائل معينة، لكن لا يجوز افتراض التطابق بين النظامين.
رأي المؤلف
الاختيار جزء من بنية الالتزام ذاته، ولذلك يجب تحديد صاحبه ومجاله وزمن ممارسته بدقة، لأن الاختيار إذا تم صحيحًا قد يحول الالتزام من تعدد المحال إلى محل واحد واجب التنفيذ.
---
المبحث الثاني
الالتزام البدلي
في الالتزام البدلي يكون محل الالتزام في الأصل شيئًا معينًا، لكن يجوز للمدين أن يبرئ ذمته بأداء بدل محدد وفقًا لمصدر الالتزام.
والتمييز بين الالتزام التخييري والبدلي دقيق:
في التخييري: عدة محال أصلية.
في البدلي: محل أصلي واحد وبدل.
وهذا التمييز له أثر عند الهلاك والاستحالة والمسؤولية.
---
الباب السابع
تعدد أطراف الالتزام
المبحث الأول
تعدد الدائنين
قد يكون الالتزام الواحد لمصلحة أكثر من دائن.
وهنا يجب تحديد ما إذا كان كل دائن يستقل بحصته، أم أن هناك تضامنًا أو عدم قابلية للانقسام أو نظامًا خاصًا.
---
المبحث الثاني
تعدد المدينين
مجرد تعدد المدينين لا يعني التضامن.
وهذه قاعدة مهمة؛ لأن التضامن يجعل كل مدين معرضًا للمطالبة بالدين كله وفقًا لشروط التضامن.
في الفقه الإسلامي
عرف الفقه صورًا للضمان والكفالة والحوالة تجعل شخصًا آخر مسؤولًا عن الوفاء أو ضامنًا للدين، ولكن لا يجوز مساواة الكفالة بالتضامن المدني دون بيان الفروق.
رأي المؤلف
الضمان والتضامن يلتقيان في حماية الدائن، لكنهما يختلفان في البناء القانوني، ولذلك يجب تحديد طبيعة الرابطة قبل تحديد آثارها.
---
المبحث الثالث
التضامن بين المدينين
التضامن نظام استثنائي بالنسبة إلى الأصل القائم على استقلال الذمم، ولذلك يجب أن يستند إلى:
- نص قانوني.
- اتفاق صحيح.
- أو مصدر يقرره القانون.
آثار التضامن
إذا ثبت التضامن، فإن للدائن أن يطالب المدينين وفقًا للنطاق الذي يحدده القانون.
لكن الوفاء من أحدهم قد يؤدي إلى براءة ذمة الباقين في مواجهة الدائن، مع بقاء حق الرجوع الداخلي بحسب نصيب كل مدين.
رأي المؤلف
التضامن ذو وجهين:
وجه خارجي: يحمي الدائن.
وجه داخلي: ينظم توزيع الدين بين المدينين.
ولا يجوز الخلط بينهما.
---
الباب الثامن
ضمان تنفيذ الالتزام
المبحث الأول
الضمان العام
يقوم الضمان العام على أموال المدين باعتبارها محلًا عامًا لاستيفاء حقوق دائنيه في الحدود التي يقررها القانون.
لكن هذا الضمان ليس ضمانًا مطلقًا؛ إذ قد توجد أموال أو حقوق لا يجوز التنفيذ عليها أو تخضع لحماية خاصة وفقًا للقانون.
المقارنة الفقهية
عرف الفقه الإسلامي ضمان أموال المدين، وأحكام الحجر والإفلاس، وحقوق الغرماء، وترتيب بعض الديون، والرهن والكفالة والحوالة.
وهذا يكشف أن حماية الدائن ليست فكرة حديثة.
---
المبحث الثاني
الدعوى غير المباشرة
إذا تقاعس المدين عن استعمال حق من حقوقه وكان في هذا التقاعس إضرار بضمان الدائن، فقد يسمح القانون للدائن باستعمال بعض حقوق مدينه نيابة عنه في الحدود التي يقررها.
وهنا لا يصبح الدائن مالكًا للحق ذاته، وإنما يستعمله لحماية الضمان العام.
رأي المؤلف
الدعوى غير المباشرة ليست وسيلة لاستبدال إرادة المدين بإرادة الدائن، وإنما هي وسيلة لحماية الذمة المالية من الإهمال الذي يؤدي إلى إضعاف ضمان الدائن.
---
المبحث الثالث
دعوى عدم نفاذ التصرف
تختلف هذه الدعوى عن البطلان.
فقد يكون التصرف صحيحًا بين طرفيه، ولكنه غير نافذ في مواجهة الدائن إذا توافرت شروط الحماية القانونية.
وهذا التمييز مهم للغاية.
البطلان يمس التصرف ذاته.
أما:
عدم النفاذ فيحمي الغير في نطاق محدد دون أن يعني بالضرورة إزالة التصرف بين أطرافه.
رأي المؤلف
ينبغي عدم استعمال مصطلح البطلان مكان عدم النفاذ؛ لأن اختلاف الجزاء يؤدي إلى اختلاف آثار الحكم والحجية والتنفيذ.
---
المبحث الرابع
الصورية
الصورية تعني وجود مظهر قانوني يخالف الحقيقة التي اتجهت إليها إرادة الأطراف.
وقد تكون:
صورية مطلقة
أو:
صورية نسبية.
والبحث القضائي لا يقف عند المحرر الظاهر، بل يستخلص الحقيقة وفق قواعد الإثبات.
رأي المؤلف
الصورية ليست مجرد مسألة شكلية؛ بل هي مسألة حقيقة قانونية، ولذلك يجب على المحكمة أن تبحث العلاقة الحقيقية بين الأطراف وآثارها على الغير.
---
الباب التاسع
انتقال الالتزام
المبحث الأول
حوالة الحق
حوالة الحق تؤدي إلى انتقال مركز الدائن من شخص إلى آخر، مع بقاء الدين في الأصل على حاله.
ويبحث فيها:
- رضا الأطراف.
- نفاذ الحوالة.
- موقف المدين.
- الدفوع.
- الضمانات.
- أثر الحوالة في الغير.
الفقه الإسلامي
توجد في الفقه الإسلامي نظرية الحوالة، وهي من النظم التي تكشف عن سبق فقهي في تنظيم انتقال المطالبة بالدين.
لكن الحوالة الفقهية ليست مطابقة بالضرورة للحوالة المدنية الحديثة، ولذلك يجب بيان الفروق في محل كل نظام وأثره.
---
المبحث الثاني
حوالة الدين
حوالة الدين تعني انتقال عبء الدين من مدين إلى آخر وفقًا للشروط القانونية.
وهنا تظهر أهمية رضا الدائن في النظام الذي يشترطه؛ لأن الانتقال قد يؤدي إلى تغير مركزه وضماناته.
رأي المؤلف
حوالة الدين ليست مجرد تبديل اسم المدين، وإنما هي تغيير في مركز قانوني قد يؤثر في ضمان الدائن؛ ولذلك يجب حماية الدائن من أي انتقال يؤدي إلى إضعاف حقه دون رضاه حيث يشترط القانون ذلك.
---
الباب العاشر
انقضاء الالتزام
المبحث الأول
الوفاء
الوفاء هو الطريق الطبيعي لانقضاء الالتزام.
ولا يتحقق الوفاء الصحيح بمجرد دفع المال، وإنما يجب أن يكون الأداء:
- من الشخص الذي يصح منه الوفاء.
- إلى الشخص الذي يصح له القبض.
- بالمحل الصحيح.
- في الزمان الصحيح.
- في المكان الصحيح.
- وفقًا للشروط القانونية.
في الفقه الإسلامي
الوفاء بالدين من أهم أبواب المعاملات، وتترتب عليه براءة الذمة.
لكن البراءة تتوقف على تحقق الأداء الصحيح، ولذلك بحث الفقهاء مسائل القبض والإبراء والوفاء من الغير والوفاء بالمثل والقيمة.
---
المبحث الثاني
الوفاء من الغير
قد يؤدي شخص غير المدين الدين.
وهنا يجب التمييز بين:
- الوفاء لمصلحة المدين.
- الوفاء مع الرجوع عليه.
- الوفاء مع الحلول.
- الوفاء دون حق في الرجوع.
رأي المؤلف
لا يكفي إثبات أن شخصًا دفع الدين، بل يجب تحديد الأساس القانوني للدفع؛ لأن أثر الوفاء يختلف بحسب نية الموفي ومصدر حقه في الرجوع.
---
المبحث الثالث
الوفاء الجزئي
إذا لم يكف المال لأداء الدين كله، بحث القانون في ترتيب الخصم وتحديد الجزء الذي انقضى.
وهذه المسألة لها آثار عملية في:
- الفوائد أو الملحقات حيث تجوز.
- المصروفات.
- أصل الدين.
- الضمانات.
- استمرار التنفيذ.
ويجب عدم افتراض ترتيب واحد في كل الحالات دون الرجوع إلى النص أو الاتفاق.
---
المبحث الرابع
المقاصة
المقاصة وسيلة لانقضاء التزامين متقابلين في الحدود التي يقررها القانون.
وتقوم فكرتها على الاقتصاد في التداول؛ فبدل أن يدفع كل طرف للآخر ثم يسترد منه، ينقضي الالتزامان أو يتقابلان بقدر الأقل منهما.
المقارنة الفقهية
عرف الفقه الإسلامي صورًا من المقاصة وإن اختلفت شروطها بحسب المذاهب وطبيعة الديون.
ومن أهم المسائل:
- اتحاد الجنس.
- التساوي.
- الحلول.
- الاستحقاق.
- قابلية الدين للمقاصة.
رأي المؤلف
المقاصة ليست مجرد وسيلة محاسبية، وإنما سبب قانوني لانقضاء الالتزام، ولذلك يجب التحقق من شروطها قبل ترتيب أثر الانقضاء.
---
المبحث الخامس
اتحاد الذمة
يتحقق اتحاد الذمة عندما تجتمع صفة الدائن والمدين في شخص واحد بالنسبة إلى الالتزام ذاته.
والنتيجة الطبيعية أن لا يبقى منطق قانوني لاستمرار مطالبة الشخص لنفسه.
لكن قد يترتب على اتحاد الذمة أثر جزئي أو مؤقت بحسب طبيعة الحق وتعدد الأطراف والضمانات.
---
المبحث السادس
الإبراء
الإبراء إسقاط الدائن حقه في مواجهة المدين في الحدود التي يسمح بها القانون.
التأصيل الفقهي
الإبراء من الموضوعات الغنية في الفقه الإسلامي، وقد بحث الفقهاء طبيعته وآثاره وشروطه، وهل هو إسقاط محض أم تصرف له طبيعة خاصة.
وتظهر أهميته في إسقاط الدين والحقوق.
رأي المؤلف
الإبراء يختلف عن الوفاء اختلافًا جوهريًا:
الوفاء يحقق الأداء.
أما:
الإبراء فيسقط المطالبة دون أداء محل الدين.
ولهذا لا يجوز الخلط بينهما.
---
الباب الحادي عشر
استحالة التنفيذ وانقضاء الالتزام
إذا أصبح التنفيذ مستحيلًا بسبب أجنبي لا يد للمدين فيه، بحث القانون في أثر ذلك على الالتزام.
أما إذا كانت الاستحالة بسبب المدين، فإن الأمر ينتقل من مجرد الانقضاء إلى المسؤولية والتعويض بحسب الأحوال.
رأي المؤلف
المعيار الحاسم ليس مجرد حدوث الاستحالة، وإنما:
مصدر الاستحالة، وزمنها، ونطاقها، وإمكان توقعها، وإمكان دفعها، ومدى اتصالها بسلوك المدين.
---
الباب الثاني عشر
التقادم وأثره في الالتزام
التقادم من أدق المسائل؛ لأنه لا ينبغي الخلط بين:
انقضاء الحق ذاته
و
سقوط سماع الدعوى أو عدم إمكان المطالبة القضائية وفقًا للنظام القانوني المعمول به.
ويجب بحث طبيعة التقادم، ومدته، وبدايته، ووقفه، وانقطاعه، وأثره، وما إذا كان يجوز التمسك به أو التنازل عنه وفقًا للقانون.
رأي المؤلف
أرى أن دراسة التقادم يجب أن تبدأ دائمًا بالسؤال:
ما الذي ينقضي بالتقادم تحديدًا؟
فالخلط بين الحق والدعوى والتنفيذ قد يؤدي إلى نتائج غير صحيحة.
---
الخلاصة المرحلية
تثبت الدراسة أن أحكام الالتزام تتحرك في أربع دوائر متصلة:
الدائرة الأولى
نشوء الالتزام.
الدائرة الثانية
تنفيذه وضمانه.
الدائرة الثالثة
الإخلال به والجزاء القضائي المترتب عليه.
الدائرة الرابعة
انتقاله أو انقضاؤه.
والقضاء هو الحلقة التي تفصل في النزاع حول هذه الدوائر، بينما التنفيذ هو الوسيلة التي تحول الحكم إلى أثر واقعي.
ومن هنا فإن البناء العلمي الصحيح لنظرية الالتزام هو:
المصدر → المحل → الوصف → الاستحقاق → التنفيذ → الضمان → الإخلال → المسؤولية → التعويض → الدعوى → الحكم → الحجية → القوة التنفيذية → التنفيذ الجبري → الانقضاء.
وهذا الترابط هو الذي يجعل أحكام الالتزام جزءًا أصيلًا من الموسوعة القضائية والفقهية، وليس مجرد فصل من فصول القانون المدني.
[6/10, 8:43 م] gfyffd: الباب الثالث عشر
الإخلال بالالتزام
تمهيد
لا يكفي لقيام المسؤولية أن يكون هناك التزام قائم؛ إذ لا تنشأ المسؤولية المدنية من مجرد وجود الحق في ذمة المدين، وإنما تنشأ عند وقوع واقعة قانونية تمثل خروجًا عن مقتضى الالتزام وترتب ضررًا تتوافر بشأنه بقية شروط المسؤولية.
وعليه فإن البناء المنطقي للمسألة هو:
التزام قائم → إخلال → ضرر → علاقة سببية → مسؤولية → جزاء → تعويض.
غير أن هذه السلسلة ليست آلية في جميع الحالات؛ فقد يقع الإخلال دون ضرر، وقد يقع الضرر دون مسؤولية، وقد تثبت المسؤولية دون أن يكون التعويض هو الجزاء الوحيد أو المناسب.
ومن هنا يجب التمييز بين الإخلال بالالتزام وبين المسؤولية عن الإخلال وبين التعويض عن الضرر.
---
المبحث الأول
مفهوم الإخلال بالالتزام
الإخلال هو عدم مطابقة سلوك المدين لما يفرضه الالتزام عليه، سواء وقع ذلك في صورة:
1. عدم التنفيذ.
2. التنفيذ الجزئي.
3. التنفيذ المعيب.
4. التنفيذ المتأخر.
5. التنفيذ في غير محل الالتزام.
6. مخالفة طريقة التنفيذ المتفق عليها.
7. الامتناع عن تنفيذ التزام بالقيام بعمل.
8. القيام بعمل كان الالتزام يوجب الامتناع عنه.
وبذلك فإن الإخلال أوسع من مجرد الامتناع عن الوفاء.
فقد يكون المدين قد نفذ بالفعل، ولكن التنفيذ كان معيبًا بحيث لا يحقق الغرض المشروع من الالتزام.
---
المطلب الأول
عدم التنفيذ
عدم التنفيذ هو أوضح صور الإخلال، ويقصد به بقاء الالتزام دون أداء رغم حلول وقت التنفيذ واستحقاقه.
لكن القضاء لا يجوز أن ينتقل مباشرة من إثبات عدم التنفيذ إلى الحكم بالتعويض، بل يجب عليه أن يبحث:
- هل الالتزام قائم؟
- هل أصبح مستحقًا؟
- هل كان التنفيذ ممكنًا؟
- هل امتنع المدين؟
- هل كان الامتناع مشروعًا؟
- هل ثبت الضرر؟
- هل توجد علاقة سببية؟
- هل يوجد سبب أجنبي يعفي المدين؟
وهذه الأسئلة تمثل المنهج القضائي الصحيح.
---
المطلب الثاني
التنفيذ المعيب
قد يؤدي المدين العمل المطلوب، ولكن بصورة مخالفة لما التزم به.
فالمقاول الذي ينفذ العمل بخلاف المواصفات، والبائع الذي يسلم شيئًا معيبًا، والمستأجر الذي يستعمل العين على خلاف الاتفاق، كلها صور للإخلال، رغم وجود تنفيذ مادي.
وهنا تظهر أهمية التمييز بين:
وجود التنفيذ
و
سلامة التنفيذ.
والعبرة ليست بمجرد قيام المدين بفعل مادي، وإنما بمدى مطابقته لمضمون الالتزام.
---
المطلب الثالث
التنفيذ الجزئي
إذا نفذ المدين جزءًا من الالتزام وترك الجزء الآخر، فلا يقال إن الالتزام قد نفذ كاملًا.
ويترتب على ذلك البحث في:
- إمكانية تجزئة الالتزام.
- مدى انتفاع الدائن بالجزء المنفذ.
- أهمية الجزء غير المنفذ.
- إمكان التنفيذ العيني للباقي.
- استحقاق التعويض.
- إمكان الفسخ في العقود الملزمة للجانبين.
رأي المؤلف
التنفيذ الجزئي لا يقاس بنسبة حسابية مجردة، وإنما بقيمة الجزء المتبقي في البناء الاقتصادي والقانوني للالتزام.
فقد يكون تنفيذ تسعين بالمائة من العمل غير كافٍ إذا كانت العشرة بالمائة الباقية هي الجزء الذي تتحقق به الغاية الأساسية من العقد.
---
المبحث الثاني
التأخر في التنفيذ
التأخير صورة مستقلة من صور الإخلال، لأن الزمن قد يكون عنصرًا جوهريًا في الالتزام.
ويجب التمييز بين:
التأخير
و
عدم التنفيذ.
فالتأخير يفترض أن التنفيذ لا يزال ممكنًا، بينما عدم التنفيذ قد يعني استقرار الامتناع أو زوال إمكان التنفيذ.
وقد يتحول التأخير إلى عدم تنفيذ إذا أصبح التنفيذ بعد فوات الزمن عديم الجدوى أو غير ممكن.
---
المطلب الأول
الإعذار
الإعذار وسيلة قانونية تهدف إلى وضع المدين في حالة تأخر قانوني، متى كان النظام القانوني يشترط ذلك لترتيب بعض آثار المسؤولية.
ولا ينبغي النظر إلى الإعذار باعتباره إجراءً شكليًا دائمًا، بل يجب تحديد:
- الغرض منه.
- الحالات التي يشترط فيها.
- الحالات التي لا يشترط فيها.
- أثره على المسؤولية.
- أثره على التعويض.
- علاقته بالقوة القاهرة والاستحالة.
المقارنة الفقهية
عرف الفقه الإسلامي أحكام المطالبة بالدين وحلول الأجل والمماطلة وآثار امتناع المدين عن الأداء.
وتظهر في ذلك قاعدة أخلاقية وقانونية بالغة الأهمية، وهي أن المماطلة في أداء الحق المستحق ليست موقفًا محايدًا، وإنما قد ترتب آثارًا بحسب طبيعة الحق والضرر.
---
المبحث الثالث
الإخلال في الالتزام بالامتناع عن عمل
قد يكون محل الالتزام امتناعًا، كالتزام الشخص بعدم استعمال حق معين أو بعدم القيام بعمل محدد.
وهنا يتحقق الإخلال بمجرد القيام بالفعل المحظور إذا توافرت شروط المسؤولية.
ويتميز هذا النوع من الالتزامات بأن عنصر الزمن قد يكون حاسمًا؛ لأن استمرار الفعل قد يؤدي إلى استمرار الضرر.
ولهذا قد يكون الجزاء:
- وقف الفعل.
- إزالة آثاره.
- التنفيذ العيني.
- التعويض.
- الجمع بين بعض هذه الجزاءات بحسب الحالة.
---
المبحث الرابع
الإخلال بالالتزام العقدي
الالتزام العقدي يستمد قوته من العقد باعتباره مصدرًا للرابطة بين الأطراف.
ولهذا فإن تحديد المسؤولية العقدية يبدأ من تحديد:
ماذا التزم الطرف؟
وليس من مجرد السؤال:
ماذا فعل الطرف؟
فقد يكون الفعل في ذاته مشروعًا، لكنه يشكل إخلالًا لأنه يخالف ما التزم به تعاقديًا.
وهنا تظهر أهمية تفسير العقد وتحديد نطاق الالتزام.
---
المطلب الأول
تفسير الالتزام العقدي
يجب أن يبحث القاضي عن الإرادة الحقيقية للأطراف، مع مراعاة طبيعة التعامل والعرف وظروف التعاقد ومقتضيات حسن النية وما يقرره القانون.
والقاضي لا ينشئ الالتزام من عنده، وإنما يكشف عن مضمونه القانوني.
ومن ثم:
القضاء لا يحكم حسب تسمية العقد وحدها، وإنما حسب حقيقته ومضمونه وآثاره.
وهذه القاعدة تتصل اتصالًا وثيقًا بمنهج التكييف القضائي.
---
المطلب الثاني
الالتزامات الأصلية والالتزامات التابعة
قد يتضمن العقد التزامًا أصليًا وآخر تابعًا.
وقد يؤدي الإخلال بالتزام تابع إلى مسؤولية مستقلة إذا كان هذا الالتزام جزءًا من الحماية التي يفرضها العقد أو القانون.
وهنا تظهر أهمية الالتزامات التي تقتضيها طبيعة العقد ولو لم تذكر صراحة، متى كان القانون أو حسن تنفيذ العقد يوجبها.
---
الباب الرابع عشر
المسؤولية عن الإخلال بالالتزام
المبحث الأول
مفهوم المسؤولية المدنية
المسؤولية هي النظام القانوني الذي يرتب أثرًا على مخالفة التزام أو قاعدة قانونية متى توافرت شروطه.
وتنقسم في البناء التقليدي إلى:
مسؤولية عقدية
و
مسؤولية تقصيرية.
لكن هذا التقسيم لا ينبغي أن يحجب وحدة الأساس العام للمسؤولية، وهو حماية الحقوق والمصالح المشروعة من الضرر غير المبرر.
---
المبحث الثاني
أركان المسؤولية
يمكن رد البناء العام للمسؤولية إلى:
1. الخطأ أو الإخلال بحسب النظام القانوني.
2. الضرر.
3. علاقة السببية.
وهذه الأركان يجب بحثها كل على حدة، مع مراعاة خصوصية المسؤولية العقدية والتقصيرية.
---
المطلب الأول
الخطأ
الخطأ هو انحراف في السلوك عن الواجب القانوني أو التعاقدي المفروض.
وقد يكون:
فعلًا إيجابيًا
أو
امتناعًا.
ولا يشترط دائمًا أن يكون الخطأ متعمدًا؛ فقد تقوم المسؤولية على الإهمال أو الرعونة أو عدم الاحتياط وفقًا للنظام القانوني.
---
المطلب الثاني
الخطأ العقدي
في المسؤولية العقدية، يكون معيار الخطأ مرتبطًا بما التزم به المدين.
فإذا تعهد بالتسليم في موعد محدد ثم لم يسلم، أو تعهد بمواصفات محددة ثم قدم شيئًا مخالفًا، فإن معيار المسؤولية يستمد من مضمون الالتزام ذاته.
ولهذا فإن تحديد العقد يسبق تحديد الخطأ.
رأي المؤلف
لا يمكن تحديد الخطأ العقدي بصورة صحيحة إلا بعد تحديد النطاق الحقيقي للالتزام.
فالتكييف الخاطئ للعقد يؤدي بالضرورة إلى تحديد خاطئ للالتزام، ومن ثم إلى تحديد خاطئ للخطأ والمسؤولية والتعويض.
---
المطلب الثالث
الخطأ التقصيري
في المسؤولية التقصيرية لا يشترط وجود عقد سابق بين المضرور والمسؤول، وإنما تقوم المسؤولية عند مخالفة الواجب العام بعدم الإضرار بالغير، متى توافرت بقية الأركان.
وهنا يكون السؤال:
هل انحرف السلوك عن سلوك الشخص المعتاد المتبصر في الظروف ذاتها؟
مع مراعاة طبيعة الفعل وظروفه والواجب القانوني الخاص إن وجد.
---
المبحث الثالث
الضرر
الضرر هو الأثر الذي يصيب الشخص في حق أو مصلحة يحميها القانون.
وهو الركن الذي يعطي المسؤولية مضمونها العملي.
فالخطأ وحده لا يكفي للحكم بالتعويض إذا لم يثبت ضرر مستوجب للجبر، ما لم يكن هناك جزاء آخر يقرره القانون.
---
المطلب الأول
الضرر المادي
يشمل الضرر المادي ما يصيب المال أو الذمة المالية أو المنفعة ذات القيمة المالية.
وقد يكون الضرر:
خسارة فعلية
أو
كسبًا فائتًا
متى توافرت شروط استحقاقه.
والعبرة ليست بالادعاء المجرد، بل بثبوت الضرر ومداه وعلاقته بالفعل المسؤول عنه.
---
المطلب الثاني
الضرر المعنوي
الضرر المعنوي هو ما يصيب الاعتبار أو الشعور أو الكرامة أو السمعة أو غير ذلك من المصالح غير المالية التي يحميها القانون بحسب النظام القانوني.
وقد تطور الفكر القانوني من تضييق نطاق التعويض عن الضرر المعنوي إلى الاعتراف به في نطاقات واسعة.
التأصيل الفقهي
لا يجوز إسقاط مفاهيم التعويض الحديثة على الفقه الإسلامي دون تمييز؛ لأن الفقه الإسلامي عرف صورًا متعددة لجبر الأضرار والاعتداء على الحقوق، لكنه لا يجعل كل ضرر معنوي مساويًا بالضرورة للتعويض المالي.
ومن ثم فالمقارنة الصحيحة تبحث:
هل يوجد حق معتدى عليه؟
هل يوجد ضرر معتبر؟
ما وسيلة جبره شرعًا؟
ثم تقارن ذلك بالحل القانوني الحديث.
---
المبحث الرابع
علاقة السببية
لا يكفي أن يثبت الخطأ والضرر، بل يجب أن يثبت أن الضرر نتيجة مرتبطة بالفعل المسؤول عنه.
وتظهر أهمية السببية في الحالات التي تتعدد فيها الأسباب.
فقد يتداخل:
- فعل المسؤول.
- فعل المضرور.
- فعل الغير.
- القوة القاهرة.
- ظرف مستقل.
وهنا يجب على المحكمة تحديد السبب المنتج للضرر.
رأي المؤلف
السببية ليست مسألة حسابية، وإنما هي تحديد قانوني للسبب المؤثر في النتيجة.
ولهذا يجب على الحكم القضائي أن يبين كيف انتقل من الواقعة إلى النتيجة، وألا يكتفي بعبارة عامة عن توافر السببية.
---
المبحث الخامس
السبب الأجنبي
السبب الأجنبي هو واقعة لا تنسب إلى المدين وتكون لها قوة تؤثر في قيام المسؤولية أو نطاقها.
ومن صوره بحسب الأحوال:
- القوة القاهرة.
- الحادث الفجائي.
- فعل الغير.
- فعل المضرور.
لكن مجرد وقوع حادث غير متوقع لا يكفي دائمًا لإعفاء المدين، وإنما يجب بحث شروطه وأثره في العلاقة السببية.
---
المطلب الأول
القوة القاهرة
القوة القاهرة واقعة خارجة عن إرادة المدين، تجعل التنفيذ مستحيلًا أو تحول دون نسبة عدم التنفيذ إليه وفقًا للقواعد القانونية الحاكمة.
ويجب التمييز بين:
الاستحالة
و
المشقة.
فليست كل مشقة قوة قاهرة، ولا كل ارتفاع في التكلفة استحالة.
رأي المؤلف
يجب أن تكون المحكمة دقيقة في استخدام مصطلح القوة القاهرة؛ لأنه ليس وسيلة لإعفاء المدين من كل ظرف صعب، وإنما استثناء من المسؤولية لا يعمل إلا عند تحقق شروطه.
---
المطلب الثاني
فعل المضرور
قد يسهم المضرور نفسه في إحداث الضرر أو تفاقمه.
وهنا لا يكون السؤال دائمًا:
من المخطئ؟
بل قد يكون:
ما مقدار إسهام كل طرف في النتيجة؟
وهذا يقود إلى تخفيف المسؤولية أو توزيعها بحسب النظام القانوني والوقائع.
---
المطلب الثالث
فعل الغير
قد يكون فعل شخص ثالث سببًا في وقوع الضرر.
وعلى المحكمة أن تبحث هل:
- يستغرق فعل الغير خطأ المدعى عليه؟
- يشاركه في السببية؟
- يعد سببًا أجنبيًا؟
- كان متوقعًا؟
- كان يمكن دفعه؟
ولا يصح اعتبار مجرد تدخل الغير سببًا آليًا للإعفاء.
---
الباب الخامس عشر
التعويض
المبحث الأول
ماهية التعويض ووظيفته
التعويض هو الجزاء المدني الأساسي لجبر الضرر متى كان مستحقًا.
وهو لا يقصد في الأصل إلى معاقبة المسؤول، وإنما إلى إعادة التوازن الذي اختل بسبب الضرر.
وهنا يجب التمييز بين:
التعويض
و
العقوبة.
فالعقوبة تهدف أساسًا إلى الردع والجزاء الجنائي، بينما التعويض يهدف إلى جبر الضرر المدني.
وقد يجتمعان في الواقعة الواحدة دون أن يكون أحدهما بديلًا عن الآخر.
---
المبحث الثاني
التعويض العيني
التعويض العيني هو إزالة الضرر أو إعادة الحال إلى ما كان عليه متى كان ذلك ممكنًا ومناسبًا.
ومن صوره:
- رد الشيء.
- إزالة المخالفة.
- وقف الاعتداء.
- إعادة الحال.
- تنفيذ العمل المستحق.
- إزالة آثار العمل غير المشروع.
والتعويض العيني قد يكون أكثر تحقيقًا للعدالة من التعويض المالي إذا كان الضرر قابلًا للإزالة.
رأي المؤلف
الأصل في فلسفة الجبر ليس أن يدفع المسؤول مبلغًا من المال فحسب، وإنما أن يتحقق إصلاح الضرر بأقرب وسيلة ممكنة إلى طبيعته.
فإذا كان الضرر لا يزال قائمًا ويمكن إزالته، فقد يكون التنفيذ العيني أسبق من الاكتفاء بمقابل مالي.
---
المبحث الثالث
التعويض المالي
إذا تعذر الجبر العيني أو لم يكن كافيًا، كان التعويض المالي وسيلة لجبر الضرر.
ويجب عند تقديره مراعاة:
- طبيعة الضرر.
- مقداره.
- مداه.
- الزمن الذي وقع فيه.
- ما لحق المضرور من خسارة.
- ما فاته من كسب متى كان مستحقًا.
- العلاقة السببية.
- الظروف المؤثرة في تقدير الضرر وفقًا للقانون.
---
المبحث الرابع
الضرر المباشر وغير المباشر
لا يكفي أن يكون الضرر قد وقع بعد الخطأ زمنيًا، وإنما يجب أن يكون من الآثار التي تنسب إليه قانونًا.
ولهذا تظهر أهمية معيار الضرر المباشر.
وقد يكون الضرر متوقعًا أو غير متوقع بحسب طبيعة المسؤولية والقواعد التي تحكمها.
في المسؤولية العقدية
تزداد أهمية توقع الضرر عند تحديد نطاق التعويض؛ لأن المسؤولية العقدية تقوم على رابطة سبق أن حدد أطرافها نطاق المخاطر التي يتحملها كل منهم.
أما في المسؤولية التقصيرية، فيتسع نطاق الحماية وفقًا للقواعد العامة التي تحكم الفعل الضار.
---
المبحث الخامس
تفويت الفرصة
تفويت الفرصة من المسائل الدقيقة في التعويض.
فالفرصة ليست يقينًا بتحقق النتيجة، ولذلك لا يجوز الحكم بقيمة النتيجة النهائية كاملة وكأنها تحققت قطعًا.
وإنما ينظر إلى:
قيمة الفرصة ذاتها
واحتمال تحقق النتيجة.
رأي المؤلف
التعويض عن تفويت الفرصة لا يكون تعويضًا عن الربح المفترض كاملًا، وإنما عن الفرصة الجدية التي حُرم منها صاحبها بسبب الفعل المسؤول عنه.
وهذا يتطلب من المحكمة التمييز بين الفرصة الحقيقية والاحتمال الوهمي.
---
المبحث السادس
التعويض عن الضرر المتجدد
قد لا يقع الضرر مرة واحدة، بل يستمر أو يتجدد مع الزمن.
وهنا يجب التمييز بين:
- الضرر الواقع.
- الضرر المستمر.
- الضرر المستقبلي.
- الضرر المتجدد.
والخلط بينها يؤدي إلى أخطاء في تقدير التعويض والتقادم والحجية.
رأي المؤلف
إذا كان الضرر يتجدد بفعل مستمر، فلا ينبغي أن تعامل جميع آثاره على أنها واقعة واحدة جامدة دون بحث طبيعة الضرر والزمن الذي نشأ فيه كل جزء منه.
---
المبحث السابع
تقدير التعويض
تقدير التعويض من مسائل الموضوع في الأصل، لكن ذلك لا يعني إطلاق سلطة المحكمة بلا ضابط.
بل يجب أن يكون التقدير قائمًا على:
1. ثبوت الضرر.
2. تحديد نوعه.
3. تحديد مداه.
4. ثبوت علاقته بالفعل.
5. استبعاد العناصر غير المشروعة.
6. بيان الأساس الذي بني عليه مقدار التعويض.
رأي المؤلف
الحكم الذي يقضي بمبلغ تعويض دون بيان عناصر الضرر ومبررات التقدير يكون معرضًا للقصور؛ لأن التعويض نتيجة قضائية يجب أن يكون لها مقدمات واقعية وقانونية معلومة.
---
المبحث الثامن
التعويض الاتفاقي والشرط الجزائي
قد يتفق الأطراف مسبقًا على مقدار التعويض الذي يستحق عند الإخلال.
وهنا يجب التمييز بين:
التعويض الاتفاقي
و
الشرط الجزائي بمعناه الفني.
وقد يتفق الأطراف على مبلغ معين لجبر الضرر المتوقع من الإخلال.
لكن الاتفاق لا يعني دائمًا أن المبلغ يصبح مستحقًا بصورة آلية دون رقابة قضائية؛ إذ قد يقرر القانون سلطة المحكمة في تعديل المبلغ في حالات محددة، وخاصة إذا كان التقدير مبالغًا فيه أو ثبت عدم تحقق الضرر أو كان الضرر أقل من المقدار المتفق عليه، بحسب النظام القانوني.
الفقه الإسلامي
عرف الفقه الإسلامي صورًا من التقدير المسبق للالتزامات والضمانات والجزاءات المالية، لكن لا يصح القول بأن كل شرط جزائي حديث له نظير مطابق في الفقه.
والصحيح أن المقارنة تبحث:
- طبيعة الالتزام.
- نوع الضرر.
- مدى مشروعية التقدير المسبق.
- الغرر.
- الربا إن وجد.
- الظلم.
- تحقيق العدالة.
- وظيفة الشرط.
---
المبحث التاسع
الجمع بين التنفيذ والتعويض
من أهم المسائل العملية تحديد ما إذا كان للدائن أن يجمع بين:
التنفيذ العيني
و
التعويض.
والجواب يتوقف على طبيعة الضرر.
فإذا كان التنفيذ يزيل أصل الإخلال ولكن بقي ضرر مستقل بسبب التأخير، فقد يكون الجمع ممكنًا.
أما إذا كان التعويض عن ذات الضرر الذي أزيل بالتنفيذ، فلا يجوز أن يتحول التعويض إلى إثراء للدائن.
رأي المؤلف
القاعدة التي أراها أكثر انضباطًا هي:
يجوز الجمع بقدر ما تتعدد الأضرار أو تختلف وظائف الجزاءات، ولا يجوز الجمع بقصد الحصول على جبر مزدوج للضرر ذاته.
---
المبحث العاشر
التعويض في المسؤولية العقدية والتقصيرية
لا ينبغي دراسة التعويض بمعزل عن مصدر المسؤولية.
ففي المسؤولية العقدية يكون البحث منصبًا على:
نطاق الالتزام الذي أخل به المدين.
وفي المسؤولية التقصيرية يكون البحث منصبًا على:
الواجب القانوني الذي خالفه المسؤول.
والفرق بين المصدرين قد يؤثر في:
- نطاق الضرر.
- توقع الضرر.
- الإثبات.
- الإع