آخر تحديث :الخميس-22 أكتوبر 2026-01:26ص

حكاية خُضر لَصور وسفينة نوح

الثلاثاء - 06 أكتوبر 2026 - الساعة 04:45 م
المحامي مختار راجح



بقلم: المستشار والباحث مختار راجح


لم أرَ في حكايات الأولين، ولا في تاريخ الأمم، رئيس جامعة يترك جدران مكتبه ليبحث عن أبناء جامعته في متاهات الوطن، ويتفقد هموم المجتمع وحاجاته، ويسأل عن أسباب تراجع خدماته وضياع كفاءاته، كما رأيت الأستاذ الدكتور خُضر لَصور.


لم يكتفِ أن يكون رئيسًا لجامعة؛ خرج منها إلى الوطن، كأن الجامعة أمٌّ أدركت أن أبناءها تفرّقوا، فخرجت تبحث عنهم.


وحين رأى أن معيار الكفاءة قد يُزاح أحيانًا لمصلحة القرابة، وأن أجيالًا من المتعلمين قد تدفن مواهبهم تحت ركام المحاباة والروتين، لم يقف متفرجًا؛ بل تحرك يبحث عن العلم والاقتصاد والعدل، مؤمنًا أن اقتصادًا بلا عدالة هش، وعدالة بلا علم عمياء، ودولة بلا كفاءة سفينة بلا بوصلة.


ومن هنا أراه اليوم في صورة سفينة نوح؛ لا سفينة تحمل الأجساد من الطوفان، بل سفينة تحمل ما تبقى من عقل الوطن: العلم، والعدل، والكفاءة، والقانون، والأمل.


وفي هذه الرحلة جمعني مع كبار الأساتذة والبروفيسورات، فالتقى مشروع علمي بمؤسسة تؤمن بقيمة العلم؛ موسوعة في أربعة وثلاثين مجلدًا وأربع وأربعين دراسة بحثية، تتناول القانون والفقه الإسلامي والقضاء المصري وآراء الفقهاء ورأي الباحث، وتبحث في قوانين الدولة وثغراتها وفراغاتها وما يحتاج إلى إصلاح.


وهنا أقول لخُضر لَصور:


شكرًا لأنك أمنت على مجلداتي من الأرضة.


وشكرًا ثانية لأنك أمنت على المجنون الذي وراء المجلدات؛ ذلك الذي اختار أن يبحث ويكتب ويطارد أسئلة العدالة حين كان الصمت أسهل.


فإن كان البحث عن العدالة جنونًا، فأنا أقبل هذا الجنون.


ولذلك أقول:


العلمُ إنْ حملتْهُ هِمَمُ الرجالِ

أحيا المواتَ وأيقظَ الآمالِ


والأرضُ لا تحيا بكثرةِ أهلِها

لكنْ تحيا بالهُداةِ النُّبّالِ


فاخترْ لقيادتِها رجالَ بصيرةٍ

جعلوا الأمانةَ فوقَ كلِّ نوالِ


وإذا أردتَ لوطنِكَ بنيانَهُ

فأسندْ عقولَ العلمِ للأجيالِ


وإلى الأشقاء في المملكة أقول: إن أردتم وطنًا ينهض، فساندوا أمثال خُضر لَصور؛ فالأوطان لا يبنيها أصحاب الضجيج، وإنما يبنيها أصحاب الرؤية والعلم والضمير.


أسندوا ظهره؛ فالظهر الذي يحمل مشروع وطن أثقل من أن يبقى وحيدًا.


إنني أرى بعين زرقاء اليمامة أن أمثال هؤلاء هم من يمكن أن يحملوا اليمن من أنقاضه إلى مستقبله.


يا خُضر لَصور...


لقد خرجت تبحث عن أبناء الجامعة، فوجدت وطنًا يحتاج إلى أبنائه.


وفتحت بابًا للعلم، فوجدت خلفه مشروعًا ينتظر من يحميه.


وأمنت على المجلدات، وأمنت على صاحبها.


فإن كان الوطن اليوم طوفانًا، فليست حاجته إلى من يصف الغرق، بل إلى من يبني السفينة.


وإن بقي من الوطن ركام، فابحثوا عن الرجال الذين يعرفون كيف يحولون الركام إلى أساس.


فالوطن لا يموت حين تهدمه العواصف...


إنما يموت حين يفقد الرجال الذين يؤمنون أنه قابل للنجاة.