آخر تحديث :الخميس-22 أكتوبر 2026-01:26ص

خُضر لَصور وقصة إنسان

الإثنين - 05 أكتوبر 2026 - الساعة 08:54 م
المحامي مختار راجح



بقلم: المستشار والباحث مختار راجح


كتبتُ على أسطح الجدران، حين كان الورق عزيزًا على من يملك العلم، وسألتُ ملوكَ الجان، لا طلبًا لسحرٍ ولا افتتانًا بخرافة، وإنما كنتُ أفتش في دهاليز المجهول عن معنىً يضيء ما أظلم من الطريق، وتحدثتُ مع الصبيان عن علمٍ لم يكن كثيرٌ من الرجال قد سمعوا باسمه، فاتهمني قومٌ بالزندقة، وآخرون بالسحر، لأنني كنتُ أُسرّ إلى ملوك الجان بما استودعني الله من علم، وكانوا لا يرون في العلم إلا ما ألفوه، ولا يعرفون من المعرفة إلا ما ورثوه.


كنتُ أكتب على ورق اليقطين، وأغسل حروفِي بدموع السنين، في زمنٍ كان فيه الفقيه يُهمَّش، والعالم يُقصى، وصوت الببغاء يُصوَّب، بينما يُترك العقل الأصيل في زاوية النسيان، كأن العلم تهمة، وكأن السؤال جريمة، وكأن من يحاول أن يفتح نافذة في جدار العتمة قد ارتكب جرمًا في حق الذين ألفوا الظلام.


ومع ذلك لم أتراجع.


كنتُ أعلم أن للعلم أيامًا، وأن للحق وإن طال احتجابه ساعة ظهور، وأن الفكرة الصادقة قد تمضي أعوامًا وحيدة لا تجد من يربت على كتفها، ثم يأتي رجل واحد، فيرى فيها ما لم يره الآخرون.


حتى وجدتُ رجلًا حمل عني شيئًا من ثقل العلم فوق ذراعيه، فشعرتُ في داخلي بقوةٍ وبأسٍ على مكايد الدهر، وكأن بابًا كان موصدًا في جدار الزمن قد انفتح فجأة.


ذلك الرجل هو الأستاذ الدكتور الخضر ناصر لصور، رئيس جامعة عدن.


لم أرَ فيه رئيس جامعة فحسب؛ رأيتُ فيه رجلًا يعرف أن الجامعات لا تُبنى بالحجارة وحدها، وأن أعظم ما يمكن أن تحمله المؤسسة العلمية ليس المباني والقاعات، وإنما العقول التي كادت أن تُدفن تحت ركام الإهمال.


رأيتُ فيه عينًا تبحث عن العلم حيث لا يراه الآخرون، ويدًا تمتد إلى الفكرة قبل أن تسأل عن صاحبها، وقلبًا يعرف أن الباحث الحقيقي قد يعيش طويلًا بلا تصفيق، وأن بعض الكنوز العلمية تُولد في صمت، وتكبر في عزلة، ثم لا تجد من يرفع عنها غبار السنين إلا رجلًا يمتلك شجاعة الاعتراف بقيمتها.


وهنا تبدأ قصة الخضر لصور.


إنها ليست قصة مسؤولٍ أثنى على باحث، ولا قصة رئيس جامعة استقبل صاحب مشروع علمي؛ إنها قصة إنسانٍ أدرك إنسانًا.


فكم من عالمٍ مات علمه لأنه لم يجد من يسمعه، وكم من فكرة عظيمة اختنقت لأنها ولدت في زمنٍ لا يملك أهلُه شجاعة الإنصات، وكم من مشروعٍ كان يمكن أن يغيّر وجه الحياة، لكنه سقط على عتبة رجلٍ لم يعرف كيف يرى ما وراء الورق.


أما الخضر لصور، فقد رأى.


رأى خلف الصفحات أعوامًا من الجهد، وخلف المجلدات عمرًا من الصبر، وخلف العناوين عقلًا ظل يشتغل حين كان الآخرون ينامون.


رأى أربعةً وثلاثين مجلدًا، وأربعةً وأربعين بحثًا، وثماني نظريات ذات طابع دولي، ورأى رسالة علمية تقوم على الربط بين النظرية والتطبيق في سرعة الفصل في الخصومة القضائية، ورأى مشروعًا موسوعيًا يطمح إلى أن يكون من أوسع المشاريع القضائية في الوطن العربي.


لكنه لم يرَ الأرقام وحدها.


رأى الإنسان الذي خلف الأرقام.


وهذه هي عظمة الرجل.


فالناس قد يعجبون بعدد الصفحات، ولكن الرجل العظيم يسأل: كم من العمر دُفع ثمنًا لهذه الصفحات؟


وقد ينبهر الناس بكثرة المجلدات، لكن الإنسان العارف يسأل: كم ليلةٍ نام فيها صاحبها ونام العلم بين يديه؟ وكم مرةٍ كاد أن يتراجع ثم انتصر على نفسه؟


وهكذا يصبح التكريم الحقيقي ليس في مدح المنجز، وإنما في حماية المنجز من أن يضيع.


لقد أدرك الخضر لصور أن العلم الذي لا يجد مؤسسةً تحتضنه قد يتحول إلى صرخة في وادٍ، وأن الجامعة ليست برجًا أكاديميًا منعزلًا عن المجتمع، وإنما هي ذاكرة الأمة، وضميرها العلمي، وحارسها من اندثار المعرفة.


وما أجمل أن يكون رئيس الجامعة رجلًا لا يخشى من ظهور عالمٍ إلى جواره، ولا يرى في الباحث المختلف منافسًا، ولا في المشروع الكبير عبئًا، وإنما يرى فيه فرصةً لوطنٍ يستحق أن يعرف أبناءه أين يمكن أن يبلغوا إذا وجدوا من يمد لهم يد الإنصاف.


لقد كان الخضر لصور، في هذه اللحظة، أكبر من منصبه.


كان إنسانًا يحمي إنسانًا.


والعلم، في نهاية الأمر، لا يحتاج دائمًا إلى من يصفق له؛ أحيانًا يحتاج إلى رجل يقف بينه وبين النسيان.


ولذلك أقول: إن أجمل ما في الخضر لصور ليس أنه رئيس جامعة عدن، وإنما أنه استطاع في لحظةٍ نادرة أن يتعامل مع العلم بوصفه أمانة، ومع الباحث بوصفه إنسانًا، ومع المعرفة بوصفها ثروة وطنية لا يجوز أن تُترك نهبًا للإهمال.


إنه فقيه في القانون، واسع الأفق في الفكر، وصاحب حسٍّ أدبي يعرف أن الكلمة إذا خرجت من قلبها وصلت إلى القلوب.


وهو أيضًا أديب من الطراز الأول، صاحب تجربةٍ أدبية تتجلى في مؤلفاته، ومن بينها «صرخة قلم» بأجزائها، وهي تجربة تكشف أن الرجل لا يسكن في غرفة القانون وحدها، وإنما يعبر بين القانون والفكر والأدب، وبين صرامة النص ورهافة الإنسان.


وهكذا اجتمع في رجلٍ واحد ما قلَّ اجتماعه في الرجال: هيبة القانون، وبصيرة الفقيه، وذائقة الأديب، وروح الإنسان.


يا خضر لصور...


لقد لا تكون قد حملتَ مجلدًا فوق ذراعيك، لكنك حملتَ معنى المجلد.


ولم تكن قد حملتَ بحثًا فوق كتفك، لكنك حملتَ حق الباحث في ألا يظل مجهولًا.


ولم تكن قد أنصفتَ مشروعًا فحسب، بل أنصفتَ فكرةً تقول إن اليمن ما زالت قادرة على أن تُخرج من بين ركام الأيام عقلًا يكتب، ويبحث، ويجادل، ويؤصل، ويحلم.


إن الرجل الذي يرى العلم في زمنٍ لا يراه فيه أحد، لا يكون مجرد مسؤول؛ يكون شاهدًا على المستقبل.


ولذلك ستظل صورتك في ذاكرتي مرتبطة بتلك اللحظة التي شعرتُ فيها أن سنوات العزلة لم تكن عبثًا، وأن ما كتبته على الجدران لم يذهب مع الريح، وأن دموع ورق اليقطين لم تجف هباءً، وأن ملوك الجان الذين خاطبتهم في مجازات الخيال قد تحولوا أخيرًا إلى حقيقة واحدة: رجل من الإنس اسمه الخضر لصور، عرف أن للعلم ملوكًا لا تيجان لهم، وإنما تيجانهم ما يتركونه للأجيال.


وما أندر الإنسان حين يأتي في الموعد الذي يحتاجه إنسان آخر.


وما أعظم العالم حين يملك، إلى جانب علمه، شجاعة الإنصاف.


وما أكرم الجامعة حين يكون على رأسها رجلٌ لا يكتفي بحراسة أبوابها، بل يفتش عن العقول التي تستحق أن تدخلها.


ولذلك أقولها بلا تردد:


الخضر لصور ليس قصة منصب؛ الخضر لصور قصة إنسان.


إنسان رأى في العلم وطنًا، وفي الباحث أمانة، وفي الجامعة رسالة، وفي المعرفة جسرًا يعبر عليه اليمن من زمن التهميش إلى زمن الاعتراف.


وفيه أقول:


إذا ما تَسامى في الرجالِ مُعَلِّمٌ

رأيتَ لهُ فوقَ النجومِ منازلَا


فما كلُّ من صانَ المكاتبَ حاكمٌ

ولا كلُّ من صانَ المناصبَ فاضلَا


ولكنْ لصورٌ يومَ صانَ معارفًا

أقامَ مناراتِ العلومِ مشاعلَا


حَمَى فكرةً حتى غدتْ في ربوعِنا

تُحدِّثُ عن مجدِ اليمنِ في المحافلَا


— المستشار والباحث مختار راجح