آخر تحديث :الخميس-22 أكتوبر 2026-01:26ص

حدود نقد القضاء والقضاة عبر وسائل التواصل الاجتماعي في القانون اليمني

الأحد - 04 أكتوبر 2026 - الساعة 08:44 م
المحامي مختار راجح



تأليف وبحث: المستشار والباحث مختار راجح


تمهيد


أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي مجالًا واسعًا لمناقشة الأحكام القضائية وأداء المحاكم والنيابات. وهنا يثور سؤال مهم: هل كل نقد للقاضي أو القضاء جريمة، أم أن القانون يفرق بين النقد المشروع والإهانة والتشهير والتأثير في العدالة؟


الأصل أن استقلال القضاء لا يعني حصانة القاضي من النقد، كما أن حرية النقد لا تعني إباحة إهانة القاضي أو التأثير عليه.


أولًا: نقد الحكم ليس إهانة للقاضي


عندما يقول الباحث:


«الحكم أخطأ في تطبيق القانون، ولم يناقش الدفع الجوهري، وكان يتعين على المحكمة أن تقضي بغير ما انتهت إليه.»


فهو ينتقد الحكم وأسبابه، وليس بالضرورة شخص القاضي.


أما إذا انتقل الكلام إلى السب أو التحقير أو المساس بشخص القاضي، فقد يدخل في نطاق التجريم بحسب العبارة والظروف والنص القانوني المنطبق.


ثانيًا: عرض أخطاء العمل القضائي


إذا عرض شخص واقعة محددة تتعلق بتأخير قضية، أو مخالفة إجرائية، أو عدم إثبات طلب في محضر، أو خطأ في تطبيق القانون، وكان مستندًا إلى وقائع يمكن إثباتها، فإن مجرد عرض هذه الواقعة لا يجعلها جريمة تلقائيًا.


والأصل أن يكون النقد:


محددًا، موثقًا، مرتبطًا بالوظيفة، خاليًا من الإهانة والافتراء.


ثالثًا: المادة (185) من قانون الجرائم والعقوبات


تحمي المادة (185) مقام القاضي وهيبته وسلطته، وتجرم الإخلال بها أو محاولة التأثير في القاضي في شأن دعوى أثناء انعقاد الجلسة، كما تمتد الحماية إلى سلطات التحقيق في التحقيق الجزائي.


وهذا يعني ضرورة توافر عناصر النص، ولا يصح تحويله إلى قاعدة عامة مفادها أن كل نقد للقاضي خارج الجلسة جريمة.


رابعًا: السب والقذف


الفرق واضح بين قول:


«الحكم مخالف للقانون.»


وقول:


«القاضي مرتشٍ.»


الأول نقد للحكم، أما الثاني فيتضمن إسناد واقعة خطيرة إلى شخص معين، وقد يدخل في نطاق القذف أو غيره بحسب ثبوت الواقعة والنص القانوني المنطبق.


كما أن المادة (293) من قانون الجرائم والعقوبات تكتسب أهمية خاصة في الحالات التي يكون فيها التعبير متعلقًا بمسلك موظف عام في شأن وظيفته وبالقدر الذي يفيد في كشف انحرافه.


خامسًا: وسائل التواصل الاجتماعي


النشر الإلكتروني لا يجعل الفعل المباح جريمة بمجرد استخدام الإنترنت.


لكن النشر يصبح محل مسؤولية إذا تضمن فعلًا مجرمًا، مثل:


- السب والقذف.

- التهديد.

- اختلاق الوقائع.

- نشر معلومات يحظر القانون نشرها.

- التأثير على قاضٍ في دعوى منظورة.

- التشهير المتعمد.


أما مناقشة حكم قضائي أو نقد اتجاه قضائي أو بيان مخالفة قانونية، فلا تتحول بذاتها إلى جريمة لمجرد نشرها في وسائل التواصل.


سادسًا: توجيهات مجلس القضاء أو النيابة


إذا صدر توجيه بمعاقبة من يسيء إلى قاضٍ أو عضو نيابة، فإن التوجيه لا ينشئ جريمة جديدة من تلقاء نفسه.


فالأصل الدستوري والقانوني أن:


لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص.


ولهذا يجب عند اتهام شخص بسبب منشور تحديد:


1. العبارة محل الاتهام.

2. الفعل المادي.

3. النص القانوني الذي يجرمه.

4. القصد الجنائي.

5. الأدلة التي تثبت الواقعة.


ولا يكفي القول إن المنشور «يسيء إلى القضاء» دون تحديد الجريمة والنص والعناصر القانونية.


سابعًا: أثناء نظر الدعوى


يجب التشدد عندما يتحول النشر إلى ضغط على القاضي، كأن يقال:


«إذا لم تحكم لصالحنا فسوف نهاجمك وننشر عنك.»


فهنا قد تنتقل المسألة من النقد إلى التأثير أو التهديد بحسب ظروف الواقعة.


أما قول:


«أرى أن المحكمة أخطأت في تفسير المادة القانونية الفلانية.»


فهو نقد قانوني.


رأي المؤلف


يرى المؤلف أن هيبة القضاء لا تُبنى بمنع النقد، وإنما باستقلال القضاء وصحة الأحكام وسلامة الإجراءات واحترام القانون.


فالقاضي يحميه القانون من الإهانة والتهديد والتأثير، والحكم تحميه طرق الطعن، والمجتمع له حق مناقشة أداء مؤسسات العدالة في الحدود التي رسمها القانون.


والقاعدة الجامعة هي:


نقد الحكم ليس إهانة للقاضي.


كشف الخلل الوظيفي ليس تشهيرًا بذاته.


استقلال القضاء لا يعني حصانة أحكامه من النقد.


حرية النقد لا تعني حرية السب والقذف والتشهير.


والتوجيه الإداري لا يستطيع أن ينشئ جريمة لم ينص عليها القانون.


الخلاصة


الميزان القانوني الصحيح لا يقوم على منع النقد ولا على إطلاقه، وإنما على التمييز بين النقد المشروع للعمل القضائي وبين الإهانة أو القذف أو التشهير أو التأثير غير المشروع في العدالة.


فكلما اتجه الكلام إلى الحكم والنص والإجراء والواقعة الموثقة كان أقرب إلى النقد المشروع، وكلما اتجه إلى إهانة الشخص أو اختلاق الوقائع أو تهديد القاضي أو الضغط عليه اقترب من نطاق المسؤولية القانونية.


الهوامش


1. دستور الجمهورية اليمنية، الأحكام المتعلقة باستقلال القضاء.

2. قانون السلطة القضائية رقم (1) لسنة 1991م.

3. قانون الجرائم والعقوبات رقم (12) لسنة 1994م، المادة (185).

4. قانون الجرائم والعقوبات، المواد المتعلقة بالسب والقذف.

5. قانون الجرائم والعقوبات، المادة (293).

6. قانون الجرائم والعقوبات، المادة (198).

7. قانون الصحافة والمطبوعات.

8. قانون الإجراءات الجزائية رقم (13) لسنة 1994م.

9. قانون المرافعات والتنفيذ المدني رقم (40) لسنة 2002م.

تضاف لسيرتي العلمية واللذاتية