آخر تحديث :الخميس-22 أكتوبر 2026-01:26ص

زمن الأقنعة.. حين انقلبت الموازين فيكافأ الكاذب ويعاقب الصادق

الثلاثاء - 29 سبتمبر 2026 - الساعة 04:39 م
ماجود حسن السحيري


يا له من زمن عجيب غريب، زمن انقلبت فيه كل الموازين وانعكست فيه كل الحقائق حتى لم يعد الحق حقاً ولا الباطل باطلاً في أعين الناس، زمن يكافأ فيه الكاذب ويُرفع ويصفق له ويُقرب من المجالس، بينما يعاقب فيه الصادق ويقصى ويهمش، وكأن الصدق والصراحة أصبحت جريمة لا تغتفر وذنباً لا يغفر، وكأن الكذب والمغالطة أصبحت مهارة وفناً يتفاخر بها أصحابها ويتباهون بها في المجالس.


زمن غريب أصبحت فيه المصلحة الشخصية هي الذكاء والشطارة في نظر الكثير، فتراهم يقولون عن آكل الحرام وعن المراوغ والمداهن أنه ذكي، أنه يعرف كيف يدبر نفسه، أنه حاذق يعرف من أين يأكل، بينما أصبح الحلال غباءً وسذاجة في نظرهم، فيقال عن الشريف النزيه العفيف الذي يأبى أن يمد يده إلى الحرام أنه مسكين، أنه عاجز، أنه لا يعرف مصلحة نفسه،،، فتغيرت المفاهيم وتبدلت القيم حتى صار الناس يمدحون اللص ويذمون الأمين، ويكرمون الخائن ويخونون الأمين.


زمن اختلط فيه الحابل بالنابل اختلاطاً شديداً حتى لم نعد نميز بين الصادق والكاذب، ولا بين من يريد خدمة الناس جميعاً بصدق وإخلاص، بين من يريد أن يصلح مدرسة لتعلم الأجيال وتحفظ مستقبلهم، ووحدة صحية تعالج الناس وتخفف آلامهم، ومشروعاً خدمياً يخدم الناس ويقضي حاجاتهم، وبين من هو مجرد متملق مصلحي لا يريد إلا نفسه ولا يفكر إلا في جيبه، فيظهر بمظهر الصلاح وهو أول من يعطل المصالح، ويتكلم باسم خدمة الناس وهو أول من يقطع الخدمة عن الناس ويقف حجر عثرة في طريقها.


تراه يتحدث في المجالس عن التعليم والصحة والمصلحة العامة وكلامه كالعسل المصفى، يعطيك من طرف اللسان حلاوة، ويحلف لك أنه حريص على مصلحة الناس والعباد، فإذا جاء وقت العمل الحقيقي ووقت الجد يطلع هو أول معول هدم، يعطل ويوقف ويساوم على أبسط حقوق الناس التي هي حق لهم، وكأنه لا يريد أن يتم شيء ولا أن ينجز عمل ولا أن يمر خير إلا إذا كان له فيه نصيب ومصلحة، ولا يريد أن يمر خير إلا إذا مر من تحت يده وعبره ومن خلاله.


فيا للعجب ويا للحسرة، فكيف نميز في هذا الزمن والوجوه أغلبها تلبس نفس القناع، قناع الطيبة والمصلحة العامة، والكلام أغلبه أصبح متشابهاً، الصادق يتكلم والكاذب يتكلم، المصلح يتكلم والمتملق يتكلم، وكلهم يحسنون الكلام، ولكن شتان بين من يتكلم ليخدم ومن يتكلم ليستفيد أو يهدم، شتان بين من يعطي بلا مقابل ومن يأخذ ولا يشبع، بين من يبني بصمت وإخلاص ومن يهدم وهو يصفق ويضحك ووووو