المستشار والباحث مختار راجح
إذا طال ليلك يا وطن، فالفجر آتٍ، وإذا اشتدت جراحك، فالشفاء ممكن، وإذا غاب ربيعك خلف غيوم المحن، فالأرض لا تنسى موسمها، ولا الوطن ينسى أبناءه.
آآآه يا وطن... كم شكوتك، وكم سالت عنك مقلتي على الوجن، وكم حملتُ من وجعك ما عجز عنه الكلام، ومن حزنك ما ضاق عنه القلم.
آآآه يا زمن... هل ستعود؟ أم ننتظر حتى يشتاق الشيخ الكبير إلى ثدي أمه واللبن، وحتى يهرم الحلم قبل أن يرى الصباح؟
يا وطن، كم توقفتَ عن الكلام وعن رد التحية والسلام؛ لأن من حولك غدوا قادةً لك قبل سن الفطام، فكثر المتصدرون، وقلّ الأمناء، وصار المنصب غايةً، والسلطة غنيمةً، والوطن مطمعًا.
آآآه يا وطن... هل أبكيك أم أبكي الزمن؟ هل أرثيك أم أحييك قبل أن يأتي يومٌ لا ينفع فيه الرثاء؟
تبعثرت أحلامي، وصارت أوهامًا، وصار الإمام يترك الفرض ويؤدي السنن، وضاعت الفرص بين أيدي من جعلوا الوطن غنيمةً لا أمانة، ومغنمًا لا رسالة.
أيعقل أن تكون موطئ قدمٍ لبلقيس وتُبّع وسبأ، وبعضًا من أقدام ذي يزن، ثم تضيق اليوم حتى لا تتسع إلا لمن جعلوك متاعًا يُقتسم وميراثًا يُتنازع؟
أيها القادة، عفوًا؛ فقد نطق الصم، وتكلم الأبكم، وقال الطفل في المهد ما عجز الكبار عن قوله:
الوطن ليس غنيمة، والدولة ليست مزرعة، والسلطة ليست ميراثًا، والمال العام ليس مالًا بلا صاحب.
يا وطن، يا مهجة روحي وبصري، ويا قبلة القلب والبدن، أأخاصمك وأنت الحكم؟ أأعاتبك أم أبكيك، وأي دمعٍ بقي في مقلتيَّ وقد أتعبت المآسي جفوني؟
كل حبري أفنيته في بنائك، وكل كلمةٍ سطرتها كانت لبنةً في جدارك، وكل حلمٍ حملته كان رغبةً في أن أراك شامخًا بين الأمم.
وياليتني احتفظت ببعض حبري حتى يعود الربيع ويعود الوطن.
سيعود ربيعك حين يعود القانون إلى مكانه، والعدل إلى ميزانه، والكفاءة إلى موضعها، والأمانة إلى أهلها؛ وحين يصبح المنصب تكليفًا لا تشريفًا، وخدمةً لا غنيمة.
قد يطول ليلك، لكنه لا يلغي فجرك، وقد يقسو شتاؤك، لكنه لا يقتل ربيعك؛ ولهذا ما زلت أكتب لك، لأنني أرفض أن يموت الأمل فيك.
وحين يعود ربيعك، سأطوي دفتر الشكوى، وأفتح صفحة الحياة، وأقول:
عاد الربيع، فعاد الوطن، وعادت الحياة إلى أرضي، والكرامة إلى شعبك، والأمل إلى قلوب أبنائك.
ثم أقول من أعماق القلب:
هذه أرضي، وهذا وطني، وهذا كياني، وهذا البدن؛ هنا جذوري، وهنا نبضي، وهنا روحي، وهنا لا وطن لي سواك.
سيعود الربيع، ويعود الوطن، وتعود الحياة؛ ويبقى العهد واحدًا: هذه أرضي، وهذا وطني، وهذا كياني، وهذا البدن.