تأليف وبحث: المستشار والباحث مختار راجح
للعلم رجالٌ يرفعون مناره، وللعلماء رجالٌ يعرفون قدر العلم وأهله، وحين يجتمع في رجلٍ مقام الدولة ورفعة المعرفة وحسن التواصل، يصبح حضوره أبعد من حدود المنصب، لأن قيمة الرجال لا تُقاس دائماً بما يشغلونه من مواقع، وإنما بما يتركونه من أثر في نفوس الناس وفي مسيرة الوطن.
ومن هذا المعنى أكتب عن البرفسور خضر لصور، مع أنني لم ألتقِ به يوماً، ولم تجمعني به مجالس أو معرفة سابقة، وإنما كانت بيننا رسالة نصيحة أوضحت فيها ما كان من أمري، فإذا به يبدي استعداده للقائي، فاستوقفني ذلك الموقف أكثر مما قد يستوقفني لقاء طويل في مجلس من المجالس.
فأنا لست من هواة التقرب من السلطان، ولا ممن يجعلون أقلامهم جسوراً إلى أصحاب المناصب، فقد اعتدت أن أكتب ما أراه حقاً، وأن أقول ما أؤمن به دون أن أسأل عن مقام من أخاطبه أو موقعه، حتى إذا جفَّ حبري وأعجزتني كلفة الحبر والورق، جعلتُ من الجدران صحائفَ لقلمي؛ لأن القلم عندي موقف، ولأن الكلمة التي تُكتب من أجل الحقيقة لا ينبغي أن تتغير بتغير الأشخاص والمواقع.
ولهذا استوقفني أن يكون رجل في مقام نائب رئيس مجلس الوزراء مستعداً للاستماع إلى رسالة علمية، وأن يرى في التواصل مع صاحب العلم والفكرة أمراً طبيعياً لا يحتاج إلى واسطة ولا إلى قرب من السلطة، فهذه الخصلة في نظري ليست مجرد سلوك شخصي، وإنما هي واحدة من شيم رجال الدولة الذين يدركون أن المنصب لا تكتمل قيمته بعلو مكانه، وإنما بحسن استعماله.
لقد كنت أبحث طويلاً عن رجال أستطيع أن أميزهم من بين كثرة الألقاب وضجيج المشهد، رجال لا تكون عظمتهم في ارتفاع مقاعدهم، وإنما في اتساع صدورهم للعلم، واحترامهم للعقل، وقدرتهم على الاستماع إلى من يحمل فكرة أو رؤية دون أن يسأل أولاً عن مكانته أو قربه من دوائر النفوذ.
ومن هنا وجدت في موقف البرفسور خضر لصور معنى يستحق التقدير؛ فالتواصل مع أهل العلم ليس ترفاً بروتوكولياً، ولا مجاملة عابرة، وإنما هو تعبير عن إيمان بأن المعرفة شريك أساسي في بناء الدولة، وأن المسؤول الذي يصغي إلى العلماء لا ينتقص من هيبته، بل يضيف إلى هيبة المنصب معنى أعمق، هو معنى احترام العقل وتقدير المعرفة.
فالدولة تستطيع أن تصدر القرارات، ولكن العلم يمنحها البصيرة، والمسؤول يستطيع أن يملك سلطة القرار، غير أن قيمة القرار تزداد حين يكون وراءه عقل يستمع إلى أهل الخبرة والمعرفة، ولهذا فإن احترام العلماء ليس مجاملة لهم بقدر ما هو احترام لمستقبل الوطن نفسه.
ولذلك لا أكتب عن البرفسور خضر لصور لأنني التقيته، وإنما أكتب عن موقف منه استوقفني، لأن المواقف في حياة الرجال أصدق من كثير من المجالس، ولأن الإنسان قد يحتاج إلى سنوات ليعرف رجلاً، بينما يكفي موقف واحد أحياناً ليكشف جانباً من معدنه.
إن أجمل ما في رجل الدولة أن يظل قادراً على التواصل مع الناس رغم ثقل المنصب، وأن يدرك أن صاحب العلم لا يأتي إلى المسؤول بحثاً عن حظوة، وإنما قد يأتي حاملاً فكرة تستحق أن تُسمع، وأن فتح باب المسؤول أمام المعرفة لا ينقص من مقام الدولة، بل يرفع من شأنها ويمنح المنصب معنى الخدمة العامة التي من أجلها وُجد.
يا برفسور خضر لصور، لم ألتقِ بك بعد، ولكنني التقيت موقفاً منك، والموقف عند من يعرف الرجال أسبق من اللقاء وأصدق من المجاملة، ولذلك فإن ما أكتبه هنا ليس طلباً لقرب، ولا سعياً إلى حظوة، وإنما هو تقدير لموقف رأيت فيه صورة جميلة من صور التواصل الذي ينبغي أن يكون عليه رجال الدولة مع أهل العلم والمعرفة.
فالعلم نبراسٌ للوطن، وأجمل ما في النبراس أن يجد من يحمله ويحفظ نوره، وأجمل ما في رجل الدولة أن يعرف أن مكانته لا تزداد بإغلاق الأبواب، وإنما تزداد حين يجعل من منصبه جسراً يصل بين الدولة وعقول أبنائها.
وهكذا يبقى البرفسور خضر لصور، في هذا الموقف الذي عرفته عنه، نبراساً للعلم والعلماء، ونموذجاً لرجل دولة أدرك أن احترام العلم، والإنصات لأهله، وحسن التواصل معهم، ليست فضائل شخصية فحسب، بل من مقومات الدولة التي تريد أن تبني مستقبلها على المعرفة والكفاءة والقيمة الإنسانية.