آخر تحديث :الإثنين-28 سبتمبر 2026-01:01ص

حين تلتقي الغارات بتحرك الجبهات .. ماذا يعني ظهور طارق صالح في هذا التوقيت؟

الأحد - 27 سبتمبر 2026 - الساعة 08:44 م
محمد خالد الحسيني



برأيي، ما يجري في اليمن لم يعد مجرد جولة تصعيد عابرة، لكنه أيضاً لم يصل بعد إلى مرحلة يمكن معها القول إن موازين الحرب قد انقلبت.


فارتفاع وتيرة الغارات الجوية على تعز ومأرب وصعدة، واتساع نطاق الأهداف، بالتزامن مع احتدام المواجهات حول كهبوب والساحل الغربي، ثم ظهور طارق صالح في الرياض إلى جانب قائد القوات المشتركة السعودية، كلها تطورات تبدو منفصلة في ظاهرها، لكنها عند وضعها في سياق واحد تطرح سؤالاً أكبر: هل تتجه الحرب نحو إعادة ترتيب لطبيعة المعركة وأدوار أطرافها؟


خلال الأسابيع الأخيرة، ارتفع مستوى القتال بصورة ملحوظة، وتوسعت العمليات الجوية لتشمل مناطق متعددة، في وقت تشهد فيه جبهات تعز ومأرب ولحج وغيرها مواجهات متقطعة ومحاولات متبادلة لتحسين المواقع وتعزيز خطوط الدفاع.


لكن اللافت أن صعدة دخلت بصورة أوضح في دائرة الضغط الجوي، بعد استهداف مران وساقين.


وهنا تبرز أهمية مران، فمران ليست مجرد منطقة جغرافية بالنسبة للحوثيين، بل تحمل رمزية تاريخية وعسكرية مرتبطة بنشأة الجماعة، ولذلك فإن وصول الضغط العسكري إليها يحمل دلالة تتجاوز القيمة التكتيكية للغارة نفسها.


لكن من المهم عدم المبالغة في قراءة هذه التطورات. فاستهداف مران لا يعني بالضرورة اقتراب معركة برية داخل صعدة، كما أن كثافة الغارات لا تعني وحدها تغير ميزان السيطرة على الأرض. الحرب اليمنية أثبتت خلال سنواتها الماضية أن الضربات الجوية، مهما بلغت كثافتها، تحتاج إلى ترجمة ميدانية حتى تتحول إلى تغيير مستدام في خريطة النفوذ.


اللافت في التصعيد الحالي أن العمليات لا تتركز فقط على خطوط المواجهة المباشرة. ففي تعز تتواصل الاشتباكات والقصف المتبادل في عدد من المحاور، بينما تشهد مناطق غرب المحافظة وجنوبها تحركات ومحاولات لتعزيز المواقع والطرق المؤدية إلى الجبهات.


وفي كهبوب تتواصل المعارك حول المرتفعات المطلة على باب المندب، فيما تبقى مأرب جبهة مفتوحة أمام القصف والهجمات المحدودة، من دون أن تظهر، وفق المعطيات المتاحة، تغييرات حاسمة ومستقرة في خريطة السيطرة.


وهذا يقود إلى قراءة مختلفة لطبيعة الطيران، فالهدف، على ما يبدو، لا يقتصر على إسناد القوات الموجودة في خطوط التماس، وإنما يمتد إلى محاولة إرباك حركة التعزيزات والإمداد ومنع الخصم من تحويل أي مكسب ميداني مؤقت إلى وضع مستقر.


وفي خضم ذلك، جاء ظهور عضو مجلس القيادة الرئاسي وقائد قوات المقاومة الوطنية طارق صالح في الرياض، خلال لقائه قائد القوات المشتركة السعودية الفريق الركن فهد بن حمد السلمان.


واللافت أن البيان الرسمي تحدث عن تعزيز التنسيق ورفع جاهزية القوات اليمنية وتكامل الأدوار على مختلف الجبهات.


هذه العبارات لا تعني، في حد ذاتها، الإعلان عن عملية عسكرية جديدة، لكن توقيت اللقاء يستحق القراءة.


فطارق صالح ليس مجرد عضو في مجلس القيادة الرئاسي؛ فهو أيضاً قائد قوة عسكرية تتمركز في جغرافيا الساحل الغربي، وهي الجغرافيا التي شهدت خلال الأسابيع الأخيرة واحدة من أهم التحولات الميدانية في الحرب.


ولهذا يصعب النظر إلى ظهوره في الرياض بمعزل عن التطورات الأخيرة في الساحل الغربي وتعز وكهبوب.


ولا يعني ذلك تلقائياً أن قراراً عسكرياً جديداً قد اتخذ، أو أن عملية واسعة وشيكة، لا توجد في البيانات الرسمية المنشورة حتى الآن إشارة صريحة إلى ذلك.


لكن اللقاء، في سياقه الزمني، يفتح احتمالاً مهماً: أن يكون هناك توجه لإعادة ترتيب أدوار القوات المناهضة للحوثيين، وربط الجبهات بدلاً من التعامل معها كمساحات منفصلة.


لذلك يمكن النظر إلى الاجتماع باعتباره جزءاً من جهد لإعادة ترتيب التنسيق العسكري والسياسي بين القوى المناهضة للحوثيين.


لكن القفز من هذا اللقاء إلى القول إن عملية واسعة باتت وشيكة سيكون سابقاً لأوانه، ما يمكن قراءته حتى الآن هو وجود محاولة لرفع الجاهزية وربما الانتقال تدريجياً من إدارة جبهات متفرقة إلى مستوى أكبر من التنسيق.


وهنا تحديداً قد يكون السؤال الأهم: هل تتغير طبيعة المعركة فعلاً؟

أعتقد أن الإجابة ستتوقف على ما سيحدث بعد هذه الاجتماعات والضربات، فإذا بقي المشهد في إطار الغارات، والهجمات المحدودة، ومحاولات التسلل، وتثبيت المواقع، فنحن أمام تصعيد كبير لكنه يظل ضمن نمط الحرب المعروف.


أما إذا ظهرت إعادة انتشار واضحة، أو تنسيق عملياتي بين جبهات الساحل وتعز ومأرب، أو تحركات متزامنة على أكثر من محور، فسنكون أمام تغير فعلي في طبيعة المعركة.


فاللافت أن التطورات الحالية تتحرك في اتجاهين متباعدين جغرافياً: ضغط متزايد على مناطق في العمق الحوثي، بينها مران، وفي المقابل قتال حول مناطق استراتيجية في الساحل الغربي والمرتفعات المطلة على باب المندب، بينما تبقى تعز ومأرب في قلب المشهد.


وهذا يجعل الحرب أقرب، في هذه المرحلة، إلى محاولة كل طرف تحسين موقعه العسكري ومنع خصمه من تثبيت مكاسبه، أكثر من كونها حرب حسم نهائي، فالحديث عن سيطرة واسعة ومستقرة للحوثيين، كما الحديث عن انهيار شامل في الطرف المقابل، يبدو مبالغاً فيه أمام جبهات ما زالت متحركة وخطوط تماس قابلة للتبدل.


من المبكر، لذلك، القول إن الحرب تتجه إلى الحسم العسكري، لكن من الصعب أيضاً تجاهل أن إيقاعها تغير: الطيران أصبح أكثر حضوراً، بنك الأهداف اتسع، صعدة دخلت بصورة أوضح في المشهد، تعز تشهد ضغطاً متواصلاً، ومأرب لا تزال جبهة مفتوحة، فيما يحتفظ الساحل الغربي بأهميته الاستراتيجية.


وبرأيي، فإن ظهور طارق صالح في هذا التوقيت مهم، ليس لأنه يعني بالضرورة قرب معركة جديدة، وإنما لأنه يأتي في لحظة يجري فيها الحديث رسمياً عن رفع الجاهزية وتنسيق الجهود وتكامل الأدوار.


السؤال الحقيقي خلال المرحلة المقبلة لن يكون فقط: من حقق تقدماً هنا أو هناك؟ بل: هل يستطيع خصوم الحوثيين تحويل تعدد الجبهات إلى جهد عسكري أكثر تنسيقاً، أم ستظل هذه الجبهات تعمل بإيقاعات منفصلة؟


إذا تحقق التنسيق، فقد نشهد بالفعل فصلاً مختلفاً من الحرب، أما إذا بقي التصعيد محصوراً في الغارات والاشتباكات المتقطعة، فمن المرجح أن يستمر نمط الاستنزاف والكر والفر، بكلفة بشرية وإنسانية أكبر.


لهذا قد تكون مران رسالة، وقد يكون لقاء طارق صالح مؤشراً، وقد يمثل ارتفاع وتيرة الغارات بداية تحول، لكن أياً من ذلك لا يكفي وحده لإثبات أن مرحلة جديدة قد بدأت.


الحكم الحقيقي سيكون في الميدان؛ فالغارة لا تصنع التحول وحدها، والاجتماع لا يصنع المعركة وحده.


التحول يبدأ عندما تتغير طريقة تحرك القوات، وتترابط الجبهات، وتظهر أهداف عملياتية مشتركة يمكن ملاحظتها بوضوح على الأرض.


محمد خالد الحسيني