آخر تحديث :الجمعة-18 سبتمبر 2026-11:48ص

على حافة العدم

الجمعة - 18 سبتمبر 2026 - الساعة 09:40 ص
حسين سالم السليماني


وقوف الإنسان في المناطق المحررة في قلب الريح. ليس من اليوم بل لأكثر من عقد من الزمن. انهم ليس كبقية الشعوب، بل هم حروفا كُتب بماء الجمر، فاستعصوا على المحو.

عقد كامل ونيف من الزمن وهم يصارعون العدم وحدهم؛ لا رغيف يدفع الجوع، ولا قطرة دواء تبلّ عرق الموجوع، ولا ظلّ أمان يقيه هجير الخوف. تفرقت عنهم سبل الحياة، فانقطعت عنهم الكهرباء وجفّت ينابيع المياه وهي تحتهم، وغدا الراتب حُلما بعيد المنال. لم يكن الأرق عندهم ليلة أو ليلتين، بل امتد ليكون شبيه بالسرمدية على وسادة وطن أكلته مخالب الفساد وشلل الفشل. كيف لمثقل بالخذلان، مسجىّ على رصيف خيبات ساسة لا يرقبون فيه إلاً ولا ذمة، أن يقف في وجه وحوش العصر، وهو الذي بات لقمة سائغة تنهشه أبسط الكائنات.

غير أن سرّ هؤلاء يكمن في سرّ الأرض نفسها. هم ليسوا كائنات في جغرافيا الموت؛ إنهم أصل النبض حين يستحيل العبث بهم، ويجعلهم على حافة العدم كل يوم، لكنهم يعبرون العصور كأنها أيامهم. تكاد الرياح الموجهة عليهم تكسرهم وتطأطأ الجباه من قسوة الحصار المتعمد والوجع المرافق له، فإذا بجذوره الكامنة في أعمق أسرار الطين تشد رأسه المنهك إلى الأعالي بقوة تعجز أمامها آلة الطغيان. تلك الجذور ليست مجرد ألياف نباتية، بل هي عهد أزليّ بالبقاء.

ولعلّ الدليل الأقوى على هذا العنفوان ليس في عدد من قضوا نحبهم بصمت بين مخالب الجوع والعوز والحروب، بل في تلك البقايا المشتعلة من رفات شجرة محترقة تتنفس، وجذور يابسة تعود فتنبت أوراقاً خضراء تناطح السحاب. إنهم لا يموتون، بل يغيرون جلودهم كالأفاعي، ليخرجوا من رماد المآسي أقوى، وأبقى، وأعظم شأناً من كل محاولات الفناء.

لكم الله يا شعبي العظيم.