آخر تحديث :الجمعة-18 سبتمبر 2026-11:48ص

حين يصبح الضمير عينًا لا تنام ...

الجمعة - 18 سبتمبر 2026 - الساعة 09:35 ص
د. سعيد سالم الحرباجي


قال تعالى: ﴿إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَٰنَ بِالْغَيْبِ ۖ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ﴾

في هذه الآية يضع القرآن أيدينا على واحدة من أعمق حقائق الإيمان:

تلك الحقيقة مفادها ...

أن الإنسان قد يستقيم في المكان الذي تراقبه فيه العيون، لكن معدن التقوى يظهر في المكان الذي لا يراه فيه أحد.

﴿وَخَشِيَ الرَّحْمَٰنَ بِالْغَيْبِ﴾

ليست مجرد حالة وجدانية تسكن القلب، وإنما هي بناء داخلي يعيد تشكيل علاقة الإنسان بنفسه وبالآخرين وبالله.

إنها شعور المرء بأن غياب أعين الناس لا يعني غياب عين الله، وأن الأبواب المغلقة لا تحجب الحقيقة عن من يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.

ومن هنا يبدأ الضمير المؤمن في أداء وظيفته الكبرى.

فالإيمان حين يستقر في القلب لا يبقى فكرةً تُقال، ولا شعيرةً تُؤدى في أوقاتها فحسب....

بل يتحول إلى قوة أخلاقية تضبط السلوك من الداخل.

يردّ الإنسان عن الظلم حين يستطيع، وعن الخيانة حين يأمن انكشافها، وعن أكل الحقوق حين تغيب الرقابة، وعن الكلمة الجارحة حين لا يخشى إلا الله.

وهذه هي أرقى صور الرقابة: أن يتحول الإيمان إلى رقيب داخلي لا يحتاج إلى شرطي يقف خلف الإنسان، ولا إلى قانون يلاحقه في كل خطوة.....

لأن في داخله قانونًا أعظم هو استشعار الوقوف بين يدي الله .

ولذلك فإن المجتمعات لا تُبنى بالقوانين وحدها، مهما بلغت دقتها، وإنما تحتاج إلى إنسان يحمل القانون في ضميره قبل أن تحمله المؤسسات في نصوصها.

فالقانون يستطيع أن يراقب بعض الأفعال، لكنه لا يستطيع أن يدخل إلى السرائر، ولا أن يلاحق النيات، ولا أن يكون حاضرًا في كل لحظة من حياة الإنسان.

أما الإيمان : فإنه يصنع رقابةً تمتد إلى حيث لا تصل أجهزة الرقابة.

إن المسلم الذي يستشعر مراقبة الله لا يسأل فقط: هل يراني الناس؟ بل يسأل سؤالًا أعمق: هل يرضى الله عن هذا الذي أفعله؟

وهنا ينتقل السلوك من الخوف من الفضيحة إلى الخوف من الخطأ، ومن خشية الناس إلى خشية الله، ومن الالتزام الظاهري إلى الاستقامة الباطنة.

وحين يستيقظ هذا الوازع في المجتمع، تتراجع مساحات كثيرة من الفساد قبل أن تصل إلى أبواب المحاكم؛ لأن الإنسان الذي يخشى الله لا يحتاج دائمًا إلى من يمنعه، بل يمنع نفسه بنفسه.

ذلك هو الإيمان حين يتحول من عقيدة في القلب إلى ضمير حي، وسلوك مستقيم، ورقابة لا تنام.