منذ أن تمزّقت اللُحمة الجنوبية بفعل الصراع السياسي بين رفقاء الأمس، اتّسعت المسافات بين الفرقاء. واستغلّت أطرافٌ عدّة هذه التناقضات للإبقاء على الساحة السياسية الجنوبية في حالة ضعف وتشتّت.
إلا أن الشيخ العيسي، بما يمتلكه من علاقات واسعة، وحكمة سياسية، وقدرة نادرة على التواصل مع مختلف الأطراف، حافظ على خيوطه متّصلة بأبناء الجنوب كافّة. فغدا مساحة مشتركة يلتقي عندها المختلفون، للحوار والتواصل، في سبيل استعادة اللُحمة الجنوبية.
قد تختلف مع الشيخ العيسي في الرأي أو في بعض المواقف، لكنك لن تجد لديه خصومة شخصية أو أحقادًا سياسية. فالرجل، كما عرفه كثيرون، ليس منشغلًا بالسلطة بقدر انشغاله بجمع الكلمة، وتقريب وجهات النظر، وتوحيد الصف. وظلّ حضوره في كثير من المراحل جسرًا بين المتباعدين، وصوتًا يذكّر الجميع بأن الوطن أكبر من كل خلاف.
واليوم، وفي منزل الشيخ العيسي، تلتقي قيادات جنوبية في لقاء ودّي وأخوي، في مشهد يحمل دلالات سياسية ووطنية مهمة. ومن هذا اللقاء يمكن أن تبدأ مرحلة جديدة لإعادة ترتيب الصف الجنوبي، واستعادة وحدة الموقف السياسي، ضمن برنامج عملي تتساوى فيه القوى الوطنية، وتُقدَّم فيه مصلحة الجنوب على المصالح الشخصية والحسابات الضيقة.
لقد آن الأوان لأن تغادر الساحة الجنوبية مرحلة الاستقطاب والمناكفات، وتنتقل إلى مرحلة لمِّ الشمل وتوحيد الصف. وإذا كان منزل الشيخ العيسي قد جمع اليوم أطرافًا فرّقتها السياسة، فإن الأمل معقود على أن يتحوّل هذا اللقاء إلى مسار دائم للحوار والتقارب، لا إلى مناسبة عابرة.
كم أنت عظيم يا أبا صالح!
فحين تتقدّم المصلحة العامة على المصالح الشخصية تنهض الأمم وتُبنى الأوطان. وحين يوجد رجال يقدّمون الوطن على ذواتهم، يصبح ما يبدو مستحيلًا ممكنًا.