آخر تحديث :الأحد-04 أكتوبر 2026-02:42ص
دولية وعالمية

قانون الحشد الشعبي في العراق أمام اختبار الهيكلة وحصر السلاح

الأحد - 04 أكتوبر 2026 - 02:23 ص بتوقيت عدن
قانون الحشد الشعبي في العراق أمام اختبار الهيكلة وحصر السلاح
المصدر: (عدن الغد) وكالات

انتقل ملف الحشد الشعبي في العراق مجددًا إلى مجلس النواب، لكن هذه المرة لمعالجة أكثر القضايا حساسية في البلاد في الوقت الراهن.

وكان البرلمان العراق قد عالج ملف الحشد من باب تنظيم المؤسسة العسكرية أو تسوية حقوق منتسبيها، لكن في ظل الأوضاع في الشرق الأوسط وانتهاء مهمة التحالف الدولي تعيد بغداد النظر للأدوار الأمنية للفصائل المسلحة.

وصوّت مجلس الوزراء العراقي، في جلسته المنعقدة الأسبوع الماضي، على مشروع قانون الحشد الشعبي، وأقر إحالته إلى مجلس النواب لعرضه للتصويت وفق أحكام الدستور، وقالت الحكومة إن الخطوة تأتي في إطار تنظيم المؤسسات الأمنية وتقديرًا لتضحيات منتسبي الهيئة.




ويأتي ذلك بعد تعديلات ومناقشات سياسية سبقت إحالة المشروع، وسط توقعات بأن تعيد مناقشته داخل البرلمان فتح الأسئلة القديمة والجديدة معًا: ما الذي سيتغير فعليًا في هيكل الحشد؟ وهل تستطيع النصوص القانونية توحيد القيادة وفصل المؤسسة الرسمية عن الفصائل المسلحة؟ وهل يصبح القانون إحدى أدوات مشروع حصر السلاح، أم أن هذا الملف يحتاج إلى إجراءات تتجاوز التشريع؟


من قانون 2016 إلى المأسسة الجديدة

وقال عضو لجنة الأمن والدفاع النيابية النائب أحمد داغر الموسوي، إن الحشد الشعبي ليس مؤسسة تنتظر القانون الجديد للحصول على الصفة الرسمية، إذ سبق أن أقر مجلس النواب قانون هيئة الحشد الشعبي رقم 40 لسنة 2016.


وأضاف في حديثه لـ«العين الإخبارية»: «نص القانون النافذ على اعتبار الحشد “تشكيلًا عسكريًا مستقلًا وجزءا من القوات المسلحة العراقية”، يرتبط بالقائد العام للقوات المسلحة ويخضع للقوانين العسكرية النافذة، كما نص على تكييف منتسبيه ومسؤوليه وفق السياقات العسكرية وفك ارتباط من ينضمون إلى التشكيل عن الأطر السياسية والحزبية والاجتماعية، وعدم السماح بالعمل السياسي في صفوفه».


وأوضح: «ومن هنا، فإن جوهر النقاش حول المشروع الحالي لا يتعلق بمنح الحشد الشرعية القانونية للمرة الأولى، وإنما باستكمال بناء المؤسسة وتحديد هيكلها وقياداتها وحقوق منتسبيها بصورة أكثر تفصيلًا، وتضمنت الصيغ المنشورة للمشروع تأسيس هيئة مرتبطة بالقائد العام للقوات المسلحة، وإنشاء أكاديمية للحشد الشعبي، وتنظيم موقع رئيس الهيئة وشروط توليه المنصب، فضلًا عن إخضاع العسكريين للقوانين العسكرية وتنظيم الموازنة والشؤون الإدارية والخدمية».


حقوق المنتسبين في صلب القانون

من جانبه، يرى عضو مجلس النواب ناصر تركي أن أهمية التشريع تنطلق من وضع الحشد داخل المؤسسة الأمنية وضمان حقوق منتسبيه.


ويصف تركي، في تصريح لـ«العين الإخبارية»، الحشد بأنه «جهة أمنية قانونية رصينة» كان لها دور كبير في القتال ضد الإرهاب، مشيرًا إلى أن تشكيلاته تضم أبناء من مختلف طوائف ومكونات المجتمع العراقي.


ويقول إن قانون الحشد يمثل تشريعًا مهمًا بالنسبة إلى المؤسسة، ولا سيما لما يتصل بحقوق منتسبيها ووضعهم ضمن المنظومة الأمنية الرسمية.


وتابع: «يتركز جانب مهم من المشروع على تنظيم التدرج الوظيفي والرتب والسياقات الإدارية والعسكرية، فضلًا عن الحقوق التقاعدية والمالية للمنتسبين، بما يجعل الهيئة أقرب من حيث البناء الإداري إلى بقية المؤسسات العسكرية والأمنية».


هل يحسم القانون ملف السلاح؟

وهنا تبدأ العقدة الرئيسية في المشروع. فالحشد الشعبي الرسمي شيء، والفصائل والتنظيمات المسلحة وعلاقاتها السياسية شيء آخر، رغم وجود تداخلات تاريخية وتنظيمية بين بعض هذه القوى وتشكيلات داخل الهيئة.


ومن ثم، فإن النص على ارتباط الحشد بالقائد العام وخضوع منتسبيه للقوانين العسكرية لا يقدم وحده إجابة نهائية عن سؤال السلاح خارج الدولة، خصوصًا أن هذه المبادئ موجودة أساسًا في قانون 2016.


وفي هذا السياق، يرى النائب فلاح الخفاجي أن إقرار القانون يمثل ضرورة لتطوير هيئة الحشد وضمان حقوق منتسبيه وعوائل الضحايا، داعيًا مجلس النواب إلى المضي في مناقشته وإجراء التعديلات التي يراها ضرورية لدعم المؤسسة.


لكن الخفاجي يذهب أبعد من الجانب الإداري، معتبرًا أن إقرار القانون يمكن أن يسهم في إنهاء الخلافات المتعلقة بحصر السلاح بيد الدولة.


من جانبه، يقول النائب الموسوي: «تزداد أهمية هذا القانون مع إعلان رئيس الوزراء علي فالح الزيدي أن الأول من أكتوبر/ تشرين الأول يمثل بداية مرحلة جديدة لمعالجة السلاح خارج سيطرة الدولة، بالتزامن مع انتهاء مهمة التحالف الدولي»، مبينًا «أن الحكومة والقوى السياسية عازمون على تطبيق خطوات وضع آليات لحصر السلاح والانضواء تحت سلطة الدولة والقائد العام»، ومنوهًا إلى أن «قانون الحشد الشعبي سوف يسهم في تطبيق قرار حصر السلاح بيد الدولة».


مؤسسة أمنية أم امتداد للفصائل؟

فإذا كان المشروع يستهدف استكمال مأسسة الحشد، فإن نجاحه لا يرتبط بالنصوص التنظيمية وحدها، وإنما بمدى القدرة على الفصل العملي بين الحشد باعتباره مؤسسة رسمية ممولة من الدولة وخاضعة للقائد العام، وبين أي نشاط سياسي أو مسلح يجري خارج السياقات العسكرية الرسمية.


وتكتسب المسألة أهمية دستورية أيضًا، إذ تنص المادة التاسعة من الدستور العراقي على خضوع القوات المسلحة للسلطة المدنية وعدم تدخلها في الشؤون السياسية، كما تحظر تكوين مليشيات عسكرية خارج إطار القوات المسلحة.


ومن هنا تظهر ثلاثة اختبارات أمام المشروع: وحدة القيادة، وعدم الجمع بين الصفة العسكرية والنشاط السياسي، وحصر استخدام القوة والسلاح بالأوامر والمؤسسات الرسمية.


السنة والكرد.. تأييد مشروط وأسئلة عن الهيكلة

ولا تبدو مواقف القوى السنية والكردية من مشروع قانون الحشد متطابقة، كما لا يمكن اختزالها في جبهة رافضة للتشريع، إذ تتراوح بين التأييد الصريح لتمرير القانون، وبين اشتراط إعادة تنظيم الهيئة وإبعادها عن النشاط الحزبي وضمان خضوعها الكامل للقيادة العسكرية للدولة.


ففي القوى السنية، ظهرت داخل تحالف السيادة مواقف مؤيدة لإقرار القانون، إذ تحدث النائب فواز حاتم الدليمي عن وجود اتجاه نيابي واسع لتمريره، فيما اتخذت شخصيات أخرى مواقف أكثر تحفظًا تجاه بعض الصلاحيات والهيكل والتمويل.


وأكد الدليمي، في حديثه لـ«العين الإخبارية»، أن «الأحزاب والقوى السياسية في البلاد متفقة على دعم جهود الحكومة في حصر السلاح بيد الدولة وتمكين المؤسسات العسكرية والأمنية الرسمية من أداء مهامها وفق الدستور والقانون».


وفي حزب تقدم، لا يتركز التحفظ المعلن على مبدأ وجود قانون ينظم الحشد بقدر ما يرتبط بشكل المؤسسة، إذ قال قيادي كبير في الحزب لـ«العين الإخبارية» إن زعيم الحزب محمد الحلبوسي لا يعارض القانون من حيث المبدأ باعتبار الحشد مؤسسة أمنية، لكنه يشدد على ضرورة استقلال الهيئة وإبعادها عن السياسيين والأحزاب.


ووصف القيادي قانون الحشد الشعبي بأنه ملف «حساس جدًا»، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن الحشد لا يمثل جهة واحدة، بل يضم مكونات عراقية مختلفة، وأبدى اعتقاده بإمكانية المضي في تمريره.


كرديًا، يتركز جانب مهم من الملاحظات على العلاقة بين الحشد والفصائل المسلحة ومدى خضوع الهيئة عمليًا للقائد العام للقوات المسلحة.


ويطالب الحزب الديمقراطي الكردستاني بمعالجة الملاحظات المتعلقة بهيكل الحشد وحصر السلاح وإخضاع التشكيلات المسلحة للقرار الرسمي للدولة، فيما يرى النائب محما خليل أن تشريع القانون حق للقوى الداعمة للحشد، لكنه ينبغي أن يمر ضمن توافق سياسي.


وقال النائب خليل في حديثه لـ«العين الإخبارية»: «يرفض نواب في الحزب الديمقراطي تسييس مؤسسة الحشد الشعبي أو استخدام قانونها لأغراض انتخابية، مع التشديد على ضرورة الفصل بين ملف الحشد والفصائل من جهة، والوضع الدستوري لقوات البيشمركة في إقليم كردستان من جهة أخرى».


ويوضح: «الاختبار الجديد أكثر تعقيدًا، هل يستطيع التشريع تحويل المبادئ الموجودة على الورق إلى هيكل عسكري واضح، وتسلسل قيادي واحد، وحقوق وواجبات موحدة، وفصل حقيقي بين المؤسسة الأمنية والعمل الحزبي والفصائلي؟».


ويتابع: «المؤيدون للمشروع يرونه استحقاقًا طال انتظاره لإنصاف المقاتلين وعوائل الشهداء وترسيخ مؤسسة شاركت في الحرب على داعش، فيما تبقى الأسئلة القانونية والسياسية مرتبطة بمدى نجاح الصيغة النهائية في منع ازدواجية القيادة والسلاح والولاء».


المطلوب تنظيم التنسيق الميداني

من جانبه، يرى أستاذ العلوم السياسية محمد دحام أن الحشد أصبح واقعًا مؤسسيًا اكتسب خبرة ميدانية خلال الحرب على داعش، وأن التشريع الجديد يمكن أن يدفع باتجاه مزيد من التنظيم والمأسسة.


ويشير دحام، في تصريحات لـ«العين الإخبارية»، إلى أهمية تنظيم التنسيق الميداني بين الحشد وبقية الأجهزة العسكرية والأمنية لمنع تعارض الصلاحيات أو المهام، بالتوازي مع ضمان حقوق منتسبيه.


كما يقلل من المخاوف المتعلقة بعدم قدرة القوات العراقية على إدارة الوضع الأمني بعد انتهاء مهمة التحالف، مستندًا إلى العمليات الاستباقية والنوعية التي تنفذها الأجهزة العراقية.


ويرى أن التحدي الداخلي أمام القانون يتمثل في الخلافات السياسية وتباين الرؤى بشأن المؤسسة، في حين يتمثل التحدي الخارجي في الضغوط والمواقف الدولية من الحشد، داعيًا إلى التعامل مع الملف من منظور المصلحة العراقية.


ويوضح دحام أنه «لا يمكن فصل توقيت المشروع عن التحول الأمني الأوسع الذي يشهده العراق، فبعد انتهاء مهمة التحالف الدولي في 30 سبتمبر/أيلول، باتت الحكومة تؤكد أن المسؤولية الأمنية والعسكرية أصبحت عراقية بالكامل، وهو ما يجعل تنظيم جميع التشكيلات المسلحة تحت قيادة الدولة أكثر إلحاحًا».


وتابع: «وبذلك قد يصبح إقرار القانون أحد أول الاختبارات التشريعية لفكرة (السيادة الأمنية) التي تطرحها الحكومة بعد خروج قوات التحالف».


واشنطن وطهران في خلفية النقاش

وللقانون أيضًا بعد خارجي. فالولايات المتحدة سبق أن أبدت اعتراضات ومخاوف بشأن صيغ سابقة لمشروع قانون الحشد، فيما تعد فصائل وقوى سياسية قريبة من إيران الحشد ضمانة أساسية في معادلة الأمن العراقي.


لكن النقاش داخل البرلمان سيحدد في النهاية الصيغة القانونية العراقية للمؤسسة، وسط محاولة حكومية معلنة لبناء علاقات خارجية متوازنة وتجنب سياسة المحاور.


ولهذا فإن طريقة صياغة القانون وتطبيقه ستكون موضع متابعة خارجية، خصوصًا في ما يتعلق باستقلال القرار الأمني العراقي، والفصل بين المؤسسة الرسمية والجماعات المسلحة، ومدى سلطة القائد العام على جميع التشكيلات.


الهيكلة صحيحة عسكريًا لكن الاندماج يسبقها

وفي الجانب العسكري، يرى الخبير العسكري السابق سجاد سالم العلوي، في حديثه لـ«العين الإخبارية»، أن الحديث عن إعادة هيكلة هيئة الحشد الشعبي وإدخال ضباط إلى تشكيلاتها لا يزال سابقًا لأوانه، رغم أن تغيير القيادات وتدوير المناصب يمثلان، من حيث المبدأ، إجراءً طبيعيًا وضروريًا داخل المؤسسات العسكرية.


وقال العلوي إن الحشد، بوصفه هيئة مرتبطة بالقائد العام للقوات المسلحة، يفترض أن يخضع للمعايير والسياقات المعمول بها في المؤسسات العسكرية، معتبرًا أن بقاء قائد أو آمر وحدة في المنصب نفسه لأكثر من 12 عامًا «أمر غير منطقي» وفق الأعراف العسكرية التي تعتمد الكفاءة والخبرة والأقدمية ومعايير أخرى في توزيع المسؤوليات.


لكن العلوي يشدد على أن إعادة الهيكلة لا يمكن اختزالها في استبدال الضباط أو تغيير القيادات، بل ينبغي أن يسبقها اندماج فعلي للحشد داخل المؤسسة العسكرية.


ويوضح أن طبيعة بعض تشكيلات الحشد القائمة على اعتبارات مناطقية أو كتلوية أو مكوناتية تجعل تطبيق قواعد النقل والتدوير العسكري بحاجة إلى تهيئة وتدرج، متسائلًا عمليًا عن مدى جاهزية التشكيلات لتولي ضابط من منطقة أو مكون مختلف قيادة لواء ينتشر في بيئة أخرى، أو لنقل المقاتلين والقيادات بين الوحدات وفق الحاجة العسكرية بعيدًا عن الانتماءات السابقة.


ويرى أن الوصول إلى هذه المرحلة يتطلب تغييرًا أوسع في بنية التشكيلات، بحيث تصبح عملية انتقال الضباط والمقاتلين بين الوحدات أمرًا طبيعيًا كما هو الحال في المؤسسة العسكرية النظامية.


ويؤكد أن «إدخال الضباط وإعادة هيكلة الحشد» يمثلان خطوات صحيحة وضرورية من الناحية العسكرية، إلا أن نجاحهما يحتاج إلى فترة من التهيئة والتكيف تسبق التنفيذ، بما يسمح بإعادة توزيع القيادات والمقاتلين وفق السياقات العسكرية ويضمن قدرة التشكيلات المختلفة على العمل ضمن بنية مؤسسية واحدة.


ويخلص إلى أن «الفكرة صحيحة من الناحية العسكرية، لكن هذا ليس أوانها بعد»، معتبرًا أن استكمال الاندماج والتهيئة ينبغي أن يسبق الانتقال إلى إعادة الهيكلة الشاملة.