آخر تحديث :الأحد-30 أغسطس 2026-07:34ص

حضرموت.. حين تصبح وحدة الهدف أهم من وحدة الرأي

السبت - 29 أغسطس 2026 - الساعة 10:38 م
م. صالح بن سعيد المرزم


في اللحظات العادية تستطيع المجتمعات أن تهدر كثيراً من الوقت في خلافاتها، أما في اللحظات التاريخية فإن ثمن الانقسام قد يكون ضياع مستقبل بأكمله.


وهذه، في تقديري، هي المسألة التي ينبغي أن يتوقف عندها أبناء حضرموت اليوم.


فالمنطقة من حولهم ليست ساكنة، وموازين القوى والمصالح تتغير، والمشاريع تتقاطع، وكل طرف يعرف تقريباً ماذا يريد من حضرموت.


ويبقى السؤال:


هل يعرف الحضارم ماذا يريدون لحضرموت؟


هذا السؤال أهم اليوم من سؤال: من يقود؟ ومن يمثل؟ ومن يملك الحضور الأكبر؟


لأن المشكلة لم تعد في نقص المكونات أو البيانات أو القيادات، وإنما في غياب المساحة التي يرتفع فيها الجميع فوق مكوناتهم عندما يتعلق الأمر بمصير حضرموت.


المشكلة ليست في الاختلاف


لن يتفق الحضارم على كل شيء، ولا ينبغي انتظار ذلك.


سيختلفون سياسياً واجتماعياً، وسيختلفون في الأشخاص والوسائل وشكل المستقبل، وهذا طبيعي.


لكن المجتمعات الناضجة تفرق بين الخلاف داخل الوطن والخلاف على الوطن.


وهنا ينبغي رسم الخط الفاصل.


يمكن للحضرمي أن ينتمي إلى أي مكوّن أو تيار، وأن يتمسك برؤيته، لكن عندما تصبح أرض حضرموت وثرواتها وأمنها ومستقبل أجيالها موضع قرار، فلا ينبغي أن تكون الولاءات الصغيرة أعلى من المصلحة الحضرمية الكبرى.


فالمطلوب ليس توحيد الأحزاب والمكونات.


المطلوب توحيد البوصلة.


أخطر ما يواجه حضرموت ليس خصومها


قد يبدو هذا قاسياً، لكن أخطر ما يمكن أن تواجهه حضرموت في هذه المرحلة ليس قوة الآخرين، بل تفرق أبنائها أمام مشاريع الآخرين.


فالفراغ لا يبقى فراغاً.


وإذا لم يصنع أبناء حضرموت رؤيتهم، سيأتي من يصنع لهم رؤية.


وإذا لم يرتبوا أولوياتهم، سيرتب الآخرون أولويات حضرموت وفق مصالحهم.


وإذا ظل كل مكوّن يعتقد أنه يستطيع الوصول منفرداً، فقد يكتشف الجميع متأخرين أن ما خسره المجموع أكبر كثيراً مما كسبه أي طرف.


وهنا يصبح الإهمال السابق درساً يجب ألا يتكرر.


فالسياسة لا تكافئ صاحب الحق لأنه صاحب حق فقط؛ بل تكافئ أيضاً من يعرف كيف ينظم حقه، ويوحد مطالبه، ويبني مؤسساته، ويختار توقيت حركته.


من الزعامة إلى المشروع


أحد أكبر العوائق أمام العمل الحضرمي هو اختزال القضية في الأشخاص.


من الزعيم؟


من الشيخ؟


من المكوّن الأقوى؟


من الأقرب إلى هذه الدولة أو تلك؟


وهذه أسئلة تستهلك حضرموت ولا تبنيها.


السؤال الصحيح هو:


ما المشروع الذي يستطيع أن يجلس حوله المختلفون؟


حضرموت لا تحتاج زعيماً يختصرها في شخصه، بل تحتاج مشروعاً أكبر من جميع زعمائها.


ولا تحتاج إلى إعادة تدوير الأسماء ثم الادعاء بعدم وجود البديل.


فالمجتمع الذي أنجب أجيالاً من التجار والعلماء والمهندسين والأطباء والاقتصاديين ورجال الإدارة، وانتشر أبناؤه ونجحوا في أنحاء العالم، لا يعاني أزمة كفاءات.


بل يعاني أزمة إتاحة المجال للكفاءة.


وحين تصبح الكفاءة أهم من الولاء، والمؤسسة أهم من الفرد، والمشروع أهم من الزعامة، تبدأ حضرموت فعلياً في صناعة مستقبلها.


لا التملق.. ولا العداء


وحضرموت ليست جزيرة معزولة عن محيطها.


لها جوارها وامتدادها وعلاقاتها ومصالحها، وللمملكة العربية السعودية خصوصاً روابط تاريخية وجغرافية واجتماعية وأمنية واقتصادية عميقة معها.


لكن بناء العلاقات شيء، والتملق السياسي شيء آخر.


فالاحترام في السياسة لا يصنعه رفع الشعارات للآخرين، وإنما وضوح الموقف وامتلاك المشروع والقدرة على أن تكون شريكاً موثوقاً.


ومن يعرف مصلحته يستطيع أن يلتقي مع مصالح الآخرين.


أما من يدخل السياسة بلا رؤية، فسرعان ما يصبح جزءاً من رؤية غيره.


لذلك يحتاج الحضارم إلى مخاطبة محيطهم والعالم بلغة المصالح والشراكة، لا بلغة الارتهان أو الخصومة.


ما الذي يمكن أن يجمع الحضارم؟


ربما تكون الإجابة أبسط مما تبدو.


لا يحتاج الحضارم إلى الاتفاق على شكل كل تفاصيل المستقبل الآن.


يكفي أن يتفقوا على ثوابت حضرمية عليا:


أن حضرموت ومصلحة أهلها فوق المكونات.


أن قرار مستقبلها لا ينبغي أن يُصنع بعيداً عن إرادة أبنائها.


أن ثرواتها يجب أن تكون رافعة لتنمية أرضها وإنسانها.


أن أمن حضرموت واستقرارها خط أحمر.


أن الكفاءة والنزاهة مقدمتان على المحاصصة.


وأن الاختلاف السياسي لا يجوز أن يتحول إلى مدخل لإضعاف حضرموت أو استدعاء الآخرين ضد بعضهم.


هذه ليست دولة داخل الدولة، ولا حزباً جديداً، ولا مكوّناً يضاف إلى المكونات.


إنها ببساطة أرضية حضرمية مشتركة.


تحتها يستطيع الجميع أن يختلفوا، وفوقها لا ينبغي لأحد أن يساوم.


الفرصة لا تنتظر


هناك لحظات في حياة الشعوب لا تتكرر بالشروط نفسها.


وقد تكون حضرموت اليوم أمام واحدة منها.


ليس لأن المستقبل أصبح مضموناً، بل لأن القديم يتغير والجديد لم يستقر بعد.


وهذه تحديداً هي اللحظة التي تستطيع فيها المجتمعات المنظمة أن تصنع لنفسها موقعاً.


أما المجتمعات المنشغلة بصراعاتها الداخلية، فإن الآخرين يحجزون مواقعهم عنها ثم يتركون لها مقاعد المتفرجين.


ومن هنا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يقلق كل حضرمي ليس:


من سينتصر على الآخر داخل حضرموت؟


بل:


ماذا سيبقى للجميع إذا ضاعت الفرصة؟


كلمة إلى أبناء حضرموت


من موقع كاتب سعودي تمتد جذوره إلى حضرموت، أرى أن أعظم ما يمكن أن يقدمه الحضارم لأرضهم اليوم ليس مكوّناً جديداً ولا زعيماً جديداً.


بل تنازلاً متبادلاً من الجميع لحضرموت.


أن يتنازل كل طرف عن شيء من غروره السياسي.


وأن تقبل الرموز بأن حضرموت أكبر من رمزيتها.


وأن يتوقف تدوير الأشخاص على حساب الكفاءات.


وأن يتحرر الفرد من سياسة القطيع.


وأن يتحول التنظير إلى مؤسسات وخطط وعمل.


ليس المطلوب أن يحب المختلفون بعضهم.


ولا أن ينسوا خلافاتهم.


المطلوب فقط أن يدركوا أن هناك شيئاً أكبر منهم جميعاً.


حضرموت.


فليختلف الحضارم في الطريق، ولكن لا يختلفوا على الوجهة.


وليتنافسوا على من يخدم حضرموت أكثر، لا على من يمتلك حق الحديث باسمها.


وليجلس المختلفون قبل أن يأتي يوم يجدون فيه أن الآخرين جلسوا وقرروا عنهم.


فالفرصة التاريخية لا تطرق الباب إلى الأبد.


وقد يكون أعظم انتصار يحققه الحضارم في هذه المرحلة ألا ينتصر أحدهم على الآخر، بل أن تنتصر حضرموت بالجميع.