آخر تحديث :الخميس-22 أكتوبر 2026-01:26ص

لافتة الإنسانية... وباب الإذلال... ووجع الانتظار

الأحد - 23 أغسطس 2026 - الساعة 06:57 ص
ماجود حسن السحيري


كثيراً ما نلاحظ ونلمس بأعيننا ونعيش بتفاصيلنا هذا المشهد المتكرر. فنلاحظ من بعض الجهات الداعمة تُرفع اللافتات باسم الإنسانية، وتُقدم الخدمة للمجتمع في أي مجال من المجالات، ومنها الجانب الزراعي الذي هو عصب حياة الناس وأرضهم واستقرارهم ومعيشتهم. وكذا تُعقد اللقاءات والمؤتمرات الفخمة باسم الدعم، وتُكتب على الإعلام واللوحات والجدران عبارات براقة"من أجل المجتمع"، "معاً لأجل المزارع"، "دعماً للتنمية". ثم تبدأ الرحلة، ولكنها ليست رحلة عطاء، بل رحلة اختبار وامتحان للمحتاجين بلهفة وشوق.

تبدأ الرحلة بباب موصد بمنغصات، وبكرسي انتظار طويل، وبموظف تلك الجهات يقول "اعمل كذا، صلح كذا، انتظر إلى أن يأتي هذا وهذا، وافتح وقف اغلق وإلى آخر ذلك". ويسودها نكد لا ينتهي، وانتظار موسم بعد آخر، ومن الأرض تنحر قطعة بعد الأخرى، وألف نغصة تولد في قلب من كان يظن أن يد العون ستمتد له سريعاً. وكذا يستمر الابتزاز الناعم، ابتزاز الكرامة. إما أن تقبل شروطنا واتهامنا لك وتوجيهاتنا وتأخيرنا وتتبع ما نريد، وإما تهديد فلا شيء. يعني تحكم مفتوح على كل شيء. هذا مسموح وهذا ممنوع، وهذا فقط لمن وقع على الورقة الفلانية والتوجيهات المعلنة، وهذا لمن وافق على ما لا يوافق عليه ضميره، وذاك لا يستحق لأنه قال كلمة حق وشهادة توجبت عليه.

وتمضي الأيام بين مماطلة وتحكم واشتراطات ومنغصات لا أول لها ولا آخر. موافقة، ثم زيارة، ثم إعادة زيارة. ثم انتظار ثم توقف ثم إعادة، رغم أن الموسم الزراعي لا ينتظر، والأرض إن فاتها وقتها انتهت. وكل ذلك غالباً يجعل المزارع نفسه يتردد.. هل يأخذه على مضض أم يتركه فيُفضّل الأول؟

وهكذا يتحول شوق الناس للخدمة إلى ثقل على صدورهم. ويصبح اسم تلك الجهة الداعمة مقروناً في ألسنة الناس بالتعب لا بالرحمة، وبالمعاناة لا بالإنسانية. صاروا يذكرونها ويتأففون، لا لأنهم لا يحتاجون، بل لأن طريق الوصول إليها أذلهم أكثر مما أغناهم.

فيا للعجب!!! أي إنسانيةٍ هذه التي تُطعمك اللقمة بعد أن تُذيقك الجوع أياماً وشهوراً؟ وأي دعمٍ هذا الذي يأتي ليخفف معاناتك بعد أن يتركك تجري وتتعب وتخسر وتفقد الموسم عاماً بعد عام؟ وأي خدمةٍ تلك التي إن وصلت إليك وصلت مكسورة الجناح، مثقلة بالمنّة، محمّلة بغصة في الحلق ووجع في القلب؟

الناس في أمسّ الحاجة نعم والله. الأرض تُجرف وتنتهي والجيوب خاوية والأهالي محتاجون، لكنهم صاروا يكرهون يد العون التي لا تمتد إلا بعد أن تحرقهم أولاً بنار الانتظار والشروط والابتزاز والتحكم والإذلال. كأنهم صاروا يقولونها بمرارة وبصوت خافت "لا نريد منكم خدمة إن كان ثمنها كرامتنا وقيمتنا وسمعتنا".

لأن الخدمة الحقيقية لا تُقاس بوصولها فقط، بل بكرامة وصولها وبعزة من يستلمها وبشهامة من يقدمها. فالإنسانية ليست أن تُعطي بعد الإذلال، بل أن تُعطي قبل أن يُطلب منك، وأنت ترى الحاجة في عين أخيك. والدعم ليس أن تُنقذ الغارق بعد أن تشترط عليه كيف يسبح وأي اتجاه يأخذ، بل أن تلقي له الحبل وهو لا يزال يصرخ.

أما إن كانت كل خدمة ستأتي محمّلة بالتحكم والمماطلة والابتزاز، فاسمحوا لي أن أقولها بصراحة كما أشعر .. مثل هكذا احتفظوا بخدمتكم أفضل. فالمجتمع الذي يُهان وهو يأخذ، أفضل له ألف مرة أن يجوع وهو مرفوع الرأس.

لأن العطاء بلا كرامة ليس عطاء، والدعم بلا رحمة ليس دعماً، والإنسانية بلا إنسان ليست إلا لافتة، ينظرها الناس ويبصقون بجوارها ويمضون.

ارحموا من في الارض يرحمكم من في السماء