كتب: د. عمر السقاف
بينما تترقب المنطقة تحولات كبرى في المستقبل القريب، يكشف المشهد اليمني عن مسار مغاير تماماً لمفاهيم الدولة الوطنية التقليدية. فالمسألة لم تعد تتعلق بهوية المنتصر عسكرياً، بل بنوع "الكيان" الذي يتم تشكيله في الغرف المغلقة؛ كيان تتوارى فيه السيادة الدستورية والقانونية لصالح ما يمكن تسميته بـ **"الدولة الوظيفية"** التي تُدار بعقود استثمارية لا تُكسر.
يلاحظ للمحللين؛ أن اليمن اليوم دخل مرحلة خطيرة لا يُحكم فيها بالمعنى السياسي، بل يُدار كملف أمني واقتصادي. لقد تحولت الدولة من "مشروع وطني" يخدم مواطنيه إلى "وظيفة جيوسياسية" تهدف لتأمين ممرات الملاحة الدولية (باب المندب والبحر الأحمر) وتدفقات الطاقة العالمية. في هذا النموذج، تصبح احتياجات الجغرافيا للدولة (قانون، دستور، مؤسسات) تفصيلاً ثانوياً أمام ما تحتاجه القوى الكبرى من هذه الجغرافيا، وهو ما يفسر استمرار "الإدارة" بدلاً من "البناء"، حيث المطلوب يمن هادئ وقابل للتحكم، وليس يمناً قوياً ذا سيادة قد يتمرد على الأدوار المرسومة له.
يبرز التحليل المتعمق أن هناك "توافقاً ضمنياً" بين القوى الفاعلة على إبقاء السيادة والقانون في حالة تعليق. فبينما تمتلك بعض القوى "الشرعية على الورق"، تفتقر للقرار الفعلي على الأرض، في حين تفرض قوى الأمر الواقع نفوذها بالسلاح والموانئ دون حاجة لاعتراف دستوري عاجل. هذا الوضع يخدم هدفاً واحداً: إبقاء اليمن في "المنطقة الرمادية" لفترة أطول، حيث يتم خلال هذا الوقت ترسيخ واقع جديد يصبح فيه الاعتراض على غياب الدستور أو القانون "متأخراً جداً" بعد أن تكون الخرائط قد رُسمت بالتعود والواقعية السياسية.
التحذير الأشد خطورة الذي يعلنه الواقع يتعلق بما يُعرف بـ "سلطة التوقيع" في الدول المنهكة. ففي غياب البرلمانات والمؤسسات الرقابية، يتم التفاوض على ثروات اليمن من نفط وغاز ومعادن وموانئ في "غرف مغلقة" بدلاً من المؤسسات الدستورية. وتكمن الخطورة في أن الجيوش قد تُهزم وتنسحب، أما العقود الإدارية والامتيازات التي تُمنح تحت ضغط الحاجة أو "ذريعة الاستقرار" تتحول إلى قيود قانونية دولية لا تكسر.
ويُخشى أن يصل الحاكم القادم ما بعد الاستقرار ليجد نفسه مجرد وسيط لتنفيذ اتفاقات أُبرمت في غياب السيادة، مما يقيده اقتصادياً لعقود طويلة قادمة. فمن يفاوض ويوقع اليوم على عقود الثروات قد لا يكون موجوداً في المشهد السياسي مستقبلاً، لكن توقيعه سيظل نافذاً وملزماً للشعب اليمني لسنوات طويلة.
إن خطر المستقبل القريب لا يكمن في التقسيم الجغرافي المعلن، بل في "تثبيت" حالة الارتهان الاقتصادي والقانوني. فإذا استمر الصراع على "الثروة" في ظل غياب سيادة القانون، فإن اليمن قد يستيقظ قريباً على واقع تكون فيه ثرواته وموانئه قد "قُسمت بالتدريج" عبر عقود استثمارية وأمنية، ليجد اليمنيون أنفسهم في وطن يُدار من الخارج بأسماء محلية، وبعقود قانونية تجعل من استعادة القرار السيادي معركة قانونية واقتصادية شبه مستحيلة.