آخر تحديث :الأحد-02 أغسطس 2026-11:49م

36 عامًا على غزو الكويت .. حكاية وطن أحببته من خلف الراديو

الأحد - 02 أغسطس 2026 - الساعة 06:39 م
عبد الله الفايد


هناك أحداث تمر بنا، ثم تمضي، وأحداث أخرى تبقى معنا مهما مرت السنوات. وغزو الكويت واحد من الأحداث التي ما زالت تفاصيلها عالقة في ذاكرتي، رغم أنني كنت حينها صغيرًا ولم أكن أفهم كثيرًا في السياسة ولا في حسابات الدول.

كل ما كنت أعرفه أن شيئًا كبيرًا ومؤلمًا حدث للكويت كنت مغرمًا بإذاعة دولة الكويت، وكنت أتابع بشغف برنامج "استراحة الظهيرة" كنت أنتظر موعده، وأحب الاستماع إلى الإذاعة، وكانت بالنسبة لي شيئًا قريبًا من القلب، رغم أنني لم أزر الكويت يومًا، ولم تكن تربطني بها أي علاقة شخصية.

ثم جاء ذلك اليوم الذي تغير فيه كل شيء أتذكر أنني بدأت أسمع النداءات والتحذيرات، وتغيرت برامج الإذاعة، وأصبح صوت الحرب حاضرًا في نشرات الأخبار. لم أكن أعرف ماذا تعني كل هذه التفاصيل، ولم أكن أفهم ما وراءها من حسابات سياسية، لكنني كنت أشعر أن الكويت تمر بوقت عصيب.

كانت تلك الأيام مختلفة عن أيامنا اليوم لم يكن هناك إنترنت ولا منصات تواصل اجتماعي، ولا عشرات القنوات التي تنقل الأخبار على مدار الساعة. في منطقتنا، كان التلفزيون الرسمي تقريبًا هو نافذتنا على العالم، وكانت الصحف تصلنا فننتظرها بشغف لمعرفة ما يحدث.

وأذكر صحيفة " شيحان " الأردنية التي كانت تصلنا كنت أقرأ ما تنشره عن تطورات الحرب، وأتابع أخبار المعارك والانتصارات التي كان يعلن عنها الجيش العراقي في ذلك الوقت.

كنت صغيرًا، ولم أكن أعرف لماذا اتخذت بعض الدول العربية مواقفها السياسية بهذه الطريقة، ولم أكن أفهم ما يدور خلف الكواليس من حسابات ومصالح.

لكنني كنت أفهم شيئًا واحدًا كنت حزينًا على الكويت كنت أشعر أن هناك شعبًا عربيًا يعيش مأساة، وأن هناك أسرًا تفرقت، وأناسًا تركوا بيوتهم، وأطفالًا عاشوا الخوف، وأشخاصًا يبحثون عن أهلهم وأقاربهم.

كنت أستمع إلى إذاعة المملكة العربية السعودية، وأسمع أصوات الكويتيين الذين خرجوا من وطنهم، وأسمع مناشدات من يبحث عن أخ أو قريب، أو من يحاول أن يطمئن أهله بأنه موجود وأنه بخير كانت أصواتًا لا أنساها ربما لم أكن أفهم السياسة، لكنني كنت أفهم الحزن.

كان موقف النظام اليمني في ذلك الوقت إلى جانب العراق، وهو موقف سياسي كانت له تبعات كبيرة على اليمن وعلاقاتها مع أشقائها في المنطقة وللأسف، لم تتوقف آثار ذلك الموقف عند حدود السياسة.

فقد عاد آلاف اليمنيين الذين كانوا يعملون في المملكة العربية السعودية، وترك كثير منهم أعمالهم ومصادر رزقهم وحياة عاشوها لسنوات وأنا أتذكر تلك المرحلة، أشعر أن المواطن اليمني كان من أكثر من دفع ثمن ذلك القرار.

لم يكن المغترب اليمني هو من اتخذ الموقف السياسي، لكنه وجد نفسه أمام نتائجه عاد كثيرون إلى بلدهم، وفي وقتها كانت اليمن تواجه ظروفًا صعبة، ثم جاءت آثار اقتصادية واجتماعية وسياسية زادت من معاناة الناس.

وأعتقد أن من حقنا اليوم، بعد مرور كل هذه السنوات، أن نتساءل بهدوء: هل كان يمكن لصناع القرار في ذلك الوقت أن يتخذوا موقفًا أكثر حكمة، يحفظ لليمن علاقاتها مع أشقائها، ويجنب المواطن اليمني كل تلك الخسائر؟

لا أطرح هذا السؤال من أجل محاكمة الماضي، فالتاريخ له ظروفه وحساباته، ولكن لأنني أؤمن أن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن نكرر أخطاء الماضي دون أن نتعلم منها.

فالسياسة في النهاية ليست بيانات ومواقف فقط وراء كل قرار سياسي هناك إنسان هناك أسرة هناك مغترب فقد عمله وهناك طفل ربما حُرم من أشياء كثيرة بسبب قرار لم يكن له أي دور في اتخاذه كنت أحب الكويت.. رغم أنني لم أزرها لم تكن لي في الكويت مصلحة، ولم يكن لي قريب أعرفه هناك، ولم أزرها في ذلك الوقت.

لكنني أحببتها من خلال الإذاعة، ومن خلال صوتها الذي كنت أسمعه كل يوم تقريبًا، ومن خلال برنامج "استراحة الظهيرة" الذي كنت مغرمًا به.

لا أستطيع أن أفسر لماذا تعلق طفل صغير بوطن لم يزره، لكنني أعرف أن مشاعري تجاه الكويت كانت صادقة كنت أرى أن ما حدث لها كان ظلمًا، وأن اجتياح دولة جارة وسلب شعبها حريته أمر لا يمكن أن أتقبله، حتى وأنا في ذلك العمر الصغير.

لم أكن أعرف شيئًا عن السياسة، لكنني كنت أعرف أن الجار لا يعتدي على جاره واليوم، بعد 36 عامًا، ما زلت أتذكر تلك الأيام ..

كل تلك التفاصيل الصغيرة بقيت في ذاكرتي .. وربما لهذا السبب، فإن علاقتي بالكويت ليست علاقة موقف سياسي عابر، بل علاقة بدأت منذ طفولتي، من خلال صوت إذاعة أحببتها، ومن خلال مشاعر تشكلت في وقت لم أكن أعرف فيه شيئًا عن السياسة.

بعد كل هذه السنوات، أعتقد أن من حقنا أن نتذكر التاريخ كما عشناه، وأن نقول ما شعرنا به في تلك الأيام أنا أتحدث هنا عن تجربتي الشخصية، وعن مشاعر طفل يمني عاش تلك المرحلة من بعيد، لكنه شعر أن ما حدث للكويت كان مأساة لشعب عربي شقيق وفي الوقت نفسه، لا يمكنني أن أنسى أن اليمنيين أنفسهم دفعوا ثمنًا قاسيًا نتيجة الموقف السياسي الذي اتخذه نظام بلادهم آنذاك.

ولعل الدرس الأكبر الذي بقي معي من تلك المرحلة هو أن الشعوب لا ينبغي أن تدفع ثمن أخطاء السياسة فالحكومات تتغير، والسياسات تتبدل، والتحالفات تنتهي، لكن آثار القرارات الخاطئة قد تبقى في حياة الناس سنوات طويلة اليوم، وأنا أستعيد تلك الذكريات، لا أملك إلا أن أدعو للكويت وأهلها.

حفظ الله الكويت أميرًا وحكومةً وشعبًا وأرضًا، وحماها من كل مكروه، وحفظ اليمن وأهلها، وحفظ شعوبنا العربية من الحروب والفتن، وألهم قادة دولنا الحكمة في كل قرار يمس حياة الشعوب ومستقبلها.

أما الكويت التي عرفتها وأنا طفل .. فستبقى في ذاكرتي كما عرفتها أول مرة صوتًا يأتي من خلف الراديو .. ووطنًا أحببته قبل أن أعرف معنى أن يحب الإنسان وطنًا لم يزره.