لا تقوم الدولة الدستورية على وجود سلطة تنفيذية فاعلة فحسب، وإنما تقوم أيضاً على وجود سلطة تشريعية تمارس دورها الرقابي باستقلال ومسؤولية، لأن مبدأ الفصل بين السلطات لا يهدف إلى توزيع الاختصاصات فقط، بل إلى تحقيق التوازن بينها، ومنع أي سلطة من الانفراد بالقرار أو الإفلات من المساءلة.
وقد أناط الدستور بمجلس النواب مسؤولية الرقابة على أعمال السلطة التنفيذية، باعتباره ممثل الشعب وحارساً للدستور وسيادة القانون. ولذلك فإن واجبه لا يقتصر على سن القوانين، بل يمتد إلى متابعة أداء المجلس الرئاسي والحكومة، ومساءلة المسؤولين عن أعمالهم، ومناقشة السياسات العامة، وحماية المال العام، والدفاع عن حقوق المواطنين.
إن الرقابة البرلمانية ليست اختصاصاً يمارس في الظروف العادية ويتوقف عند الأزمات، وإنما هي واجب دستوري دائم يستمر في جميع الأحوال. وحتى في حالة إعلان حالة الطوارئ، يظل مجلس النواب صاحب الاختصاص الأصيل في متابعة أداء السلطة التنفيذية، واستدعاء المسؤولين، ومساءلتهم عن أعمالهم، والتحقق من مدى التزامهم بالدستور والقانون. فالسلطات الاستثنائية لا تلغي الرقابة، بل تجعلها أكثر أهمية، لأن اتساع صلاحيات السلطة التنفيذية يستوجب رقابة أشد، ضماناً لعدم إساءة استخدامها أو تجاوز حدودها الدستورية.
وإذا كان هذا هو الحكم الدستوري حتى في الظروف الاستثنائية، فمن باب أولى أن يمارس مجلس النواب اليوم دوره الرقابي كاملاً، وأن يستخدم أدواته الدستورية في استدعاء المسؤولين ومحاسبتهم على القرارات التي مست حياة المواطنين، وعلى أوجه القصور والإخفاق في إدارة شؤون الدولة، باعتبار أن حماية الدستور وصيانة المال العام والدفاع عن حقوق الشعب هي جوهر رسالته الدستورية.
ويبقى السؤال الذي لا يمكن تجاوزه: أين السلطة التشريعية من كل ما يجري؟ وأين مجلس النواب الذي حمّله الدستور مسؤولية الرقابة على أعمال السلطة التنفيذية، وحماية الدستور، وصون المال العام، والدفاع عن حقوق المواطنين؟
إن حجم الأزمات التي تعيشها البلاد اليوم كان يقتضي حضوراً فاعلاً للسلطة التشريعية، وممارسة حقيقية لاختصاصاتها الرقابية. فكلما تعقدت الأوضاع السياسية والاقتصادية والخدمية، ازدادت الحاجة إلى مساءلة السلطة التنفيذية، ومراجعة قراراتها، وتقييم أدائها، حماية للدستور والمال العام وحقوق المواطنين. غير أن غياب هذا الدور الرقابي الفاعل أوجد فراغاً مؤسسياً انعكس سلباً على منظومة الحكم، وأضعف مبدأ المحاسبة الذي تقوم عليه الدولة الدستورية.
وإذا كانت السلطة التنفيذية تتحمل المسؤولية المباشرة عن إدارة شؤون الدولة، فإن استمرار غياب الدور الرقابي الفاعل للسلطة التشريعية يخل بالتوازن الدستوري بين السلطات، ويضعف مبدأ المحاسبة، ويترك المجال أمام تراكم الأخطاء والتجاوزات دون رقابة مؤسسية حقيقية.
إن مجلس النواب لم ينشأ ليكون شاهداً على الأزمات، ولا ليكتفي بمتابعة الأحداث من بعيد، وإنما أُنشئ ليكون سلطة رقابية تمارس صلاحياتها الدستورية بكل استقلال، فتستدعي المسؤولين، وتناقش أداء الحكومة، وتراجع السياسات العامة، وتتحقق من سلامة القرارات، وتحاسب كل من يثبت تجاوزه للدستور أو القانون، حماية للدولة وصوناً لحقوق الشعب.
إن استمرار غياب الرقابة البرلمانية لا يضعف المؤسسة التشريعية وحدها، بل ينعكس على أداء الدولة بأكملها، ويؤدي إلى اختلال التوازن بين السلطات، ويمنح السلطة التنفيذية مساحة أوسع لاتخاذ القرارات دون رقابة فعالة، وهو ما يتعارض مع جوهر النظام الدستوري القائم على المساءلة وسيادة القانون.
إن المرحلة الراهنة تستدعي أن يستعيد مجلس النواب حضوره ودوره الدستوري، وأن ينعقد بصورة منتظمة، ويمارس اختصاصاته الرقابية بكل مسؤولية، بعيداً عن الحسابات السياسية، لأن الشعب لا ينتظر خطابات، بل ينتظر مؤسسة دستورية تقوم بواجبها في محاسبة المقصرين، وكشف الحقائق، وحماية الدستور، والدفاع عن مصالح المواطنين.
ولا يغير من هذه الحقيقة الدستورية عدم انعقاد مجلس النواب أو عدم ممارسته لاختصاصاته الرقابية؛ فغياب الممارسة لا يؤدي إلى سقوط الاختصاص، ولا يعفي السلطة التشريعية من مسؤولياتها الوطنية والدستورية. فصلاحيات مجلس النواب تبقى قائمة ما بقي الدستور قائماً، ويظل مسؤولاً أمام الشعب والتاريخ عن أداء واجباته، وعن أي تقصير في ممارسة دوره الرقابي، لأن الاختصاصات الدستورية لا تسقط بالإهمال أو التعطيل، وإنما تبقى التزاماً قائماً إلى أن تمارس وفقاً لأحكام الدستور والقانون.
فالرقابة البرلمانية ليست ترفاً سياسياً، ولا خياراً يمكن تأجيله، بل هي فريضة دستورية، وركن أساسي من أركان الدولة. وكلما تأخر مجلس النواب في ممارسة هذا الواجب، ازدادت معاناة الوطن، واتسعت الفجوة بين النصوص الدستورية والواقع، وتراجعت ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة. إن استعادة الدور الرقابي للسلطة التشريعية لم تعد مطلباً سياسياً فحسب، بل أصبحت ضرورة وطنية لحماية الدولة، وترسيخ سيادة القانون، وضمان خضوع جميع سلطات الدولة للمساءلة، فلا دولة قوية بلا رقابة، ولا رقابة حقيقية إلا بسلطة تشريعية حاضرة تمارس مسؤولياتها الدستورية كاملة.