في غمرة الانهماك بتفاصيل الحياة اليومية وسرعة إيقاعها، تغيب عن أذهان الكثيرين حقائق كبرى، لعل أبرزها وأكثرها يقينًا هي "حقيقة الموت". ورغم أنه الحقيقة الوحيدة التي لا يختلف عليها اثنان، إلا أننا نجد من يشطبها تماماً من سجل تفكيره، حتى صار وقع خبر الرحيل يثير في النفوس استغراباً ينم عن غفلة عميقة.
دهشة اللامتوقع!
حين تخبر أحداً بوفاة شخص ما، يفاجئك برد فعل ينم عن صدمة غير منطقية: "مش معقول!!"، وكأنه كان يتوقع لهذا الراحل الخلود. وعندما تسأله: "وهل كنت تظن أنه لن يموت؟"، يجيب بارتباك: "لا.. ولكن لا أعلم كيف قلتها".
الحقيقة أن هذا الارتباك ليس إلا ثمرة "الغفلة" التي جعلت الموت يبدو وكأنه حدث استثنائي لا يمسنا أو يمس من حولنا، بينما هو الحقيقة اللصيقة بكل شهيق وزفير فينا.
لقد لخص الصحابي الجليل عبد الله بن عمر رضي الله عنهما هذا المفهوم حين روى الحديث النبوي الشريف: "كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل".
ولم يكتفِ بن عمر بالفهم النظري، بل أضاف عبارة تجسد التطبيق العملي لليقظة الدائمة فقال: "إذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح".
هذا هو الوعي المنشود؛ أن يكون الإنسان في حالة استنفار روحي، يدرك أن كل لحظة قد تكون الأخيرة، مما يجعل يومه مليئاً بالإنجاز الروحي والأخلاقي.
لقد رسمت لنا الشريعة "خارطة طريق" لتفعيل ذكر الموت في أبسط تفاصيلنا:
* عند الاستيقاظ: نردد "الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور"، لنبدأ يومنا بالاعتراف بالموت ثم البعث.
* عند المنام: نستودع أرواحنا الخالق فنقول "فإذا أمسكت نفسي فارحمها"، مستعدين للاحتمال بأنها قد تكون النومة الأخيرة.
*وفي المحراب: يأتي التوجيه النبوي "صلوا صلاة مودع"، ليحول كل صلاة إلى فرصة أخيرة للاستقامة والتوبة.
إن استحضار الموت ليس دعوة للتشاؤم أو الانعزال، بل هو محرك للاستقامة.
فالإنسان الذي يوقن برحيله في أي لحظة:
* يكف أذاه عن الناس:* فلا يظلم ولا يسرق ولا يغتاب، لأنه يعلم أن وقوفه بين يدي الله قريب.
* يسمو بأخلاقه:* فيسامح من أخطأ في حقه، ويحرص على صفاء سريرته قبل كل صلاة وكأنه يكتب وصيته الأخيرة وذلك هو الاثر الايجابي لذكر الموت.
وختاماً..
إن تفعيل حقيقة الموت في أذهاننا بين الصباح والمساء، وبين الفريضة والأخرى، هو الضمانة الوحيدة لحياة مستقيمة وقلب مطمئن. فمن عاش وهو يستشعر الرحيل، عاش بأفضل وأجمل ما في الحياة.