في تاريخ الأمم والملوك، تُقاس عظمة الرجال بمواقفهم لا بثرواتهم، وبما يحملونه في صدورهم من مبادئ لا بما يرتدونه من حرير.
وتظل معركة "القادسية" الخالدة سِجلاً حافلاً بالدروس والعبَر، لا لأنها غيرت الميزان العسكري في العالم القديم
بل لأنها قدمت للعالم نموذجاً فريداً في "عزة النفس" والجرأة الدبلوماسية التي لم تألفها قصور الأكاسرة والقياصرة.
كبرياء القصر في مواجهة عزة البداوة
تبدأ الحكاية عندما طلب "رستم"، قائد جيوش الفرس، مفاوضاً من معسكر المسلمين ليتبين طبيعة هؤلاء القوم الذين تجرأوا على تحدي الإمبراطورية الساسانية.
لم يختر القائد سعد بن أبي وقاص (رضي الله عنه) رجلاً يرتدي أفخر الثياب ليجاري أبهة الفرس، بل أرسل إليهم ربعي بن عامر (رضي الله عنه)؛ رجلاً بسيطاً بالمقاييس المادية، لكنه يملك قلباً يزن أمة بيقينه.
دخل ربعي إلى مجلس رستم المهيب، حيث البسط الفاخرة، والوسائد المزخرفة بالذهب، والحرس المصطفون على الجانبين في مشهدٍ صُمم خصيصاً لإرهاب النفوس وإيقاع الهيبة في قلوب الزائرين.
لكن ربعي لم يلتفت لكل تلك البهرجة؛ بل مضى راكباً فرسه حتى وطأ طرف البساط الثمين، ثم نزل وربط فرسه بإحدى تلك الوسائد المنسوجة بالحرير.!!
حين طالبه الحرس بوضع سلاحه، تجلت عزة المسلم الواثق، فرد عليهم بكلمات حاسمة:
"لم آتكم من تلقاء نفسي، وإنما جئتكم بطلب منكم، فإن تركتموني هكذا وإلا رجعت".
أمام هذا الإصرار، وأمام فضول رستم لمعرفة هذا القادم الغريب، أذن له بالدخول.
فأقبل ربعي يتوكأ على رمحه، يسير بخطى ثابتة غير مبالٍ بالقوم ولا بزينتهم، حتى إن سن رمحه كان يخرق ويسحق تلك البسط الفاخرة تحت وطأة خطواته الواثقة.
نظر إليه رستم متعجباً ومستصغراً لظاهره، وسأله: *ما الذي جاء بكم إلى بلادنا؟!*
هنا، رفع ربعي رأسه، ونطق بالكلمات التي دونها التاريخ بمداد من نور، الكلمات التي لم تكن مجرد رد سياسي، بل كانت إعلاناً عالمياً لتحرير الإنسان قال :
*إن الله ابتعثنا، لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد وحده، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، فأرسلنا بدينه إلى خلقه لندعوهم إليه، فمن قبل ذلك قبلنا منه ورجعنا عنه، ومن أبى قاتلناه حتى نفضي إلى وعد الله.*
سأله رستم بدهشة: "وما وعد الله؟"
فأجاب ربعي بكل يقين: "الجنة لمن مات منا على ذلك، والظفر لمن بقي منا".
ساد صمت رهيب في أرجاء المجلس.
في تلك اللحظة، أدرك رستم بعمق خطورة الموقف؛ إنه لا يواجه جيشاً خرج لطلب الغنائم، أو البحث عن المال والملك والتوسع الجغرافي، بل يواجه رجالاً يحملون عقيدة تملأ قلوبهم يقيناً، يفرون إلى الموت كما يفر جنوده إلى الحياة.
حاول رستم كسب الوقت والمناورة، فقال: "قد فهمت مقالتك، فهل لكم أن تؤجلونا حتى نتشاور مع قادتنا وأهل الرأي؟"
فرد ربعي بمرونة الواثق: "نعم، أعطيكم يوماً أو يومين".
لكن رستم طلب المزيد قائلاً: "بل نريد أكثر من ذلك لأكاتب أهل المدائن وأستشيرهم".
وهنا رسم ربعي حدود المفاوضات مستنداً إلى السياسة النبوية الشريفة قال : "إن رسول الله ﷺ سنّ لنا ألا نمكن أعداءنا أكثر من ثلاث، لكم ثلاثة أيام، وبعدها اختاروا إحدى ثلاث: الإسلام، أو الجزية، أو القتال".
خرج ربعي من مجلس، رستم
ومضى ربعي راجعاً كما دخل ثابت القلب، ممتلئاً بعزة النفس، تاركاً خلفه قادة الفرس في حالة من الذهول والتعجب.
لقد تطلعوا إلى رجل بسيط، فوجدوا فيه مدرسة في الأنفة والشجاعة، واكتشفوا كيف يمكن لهذا الدين العظيم أن يصنع من رجلٍ بسيط عابر للصحراء، واحداً من أعظم سفراء التاريخ وأكثرهم تأثيراً.
إنها السيرة التي تُذكرنا دائماً بـ "يوم كنا عظماء"، حين كانت المبادئ هي القوة، وكان اليقين بالله هو السلاح الإستراتيجي الأخطر الذي دك حصون الظلم ونشر العدل في العالمين.