مشكلتنا في العالم الإسلامي أننا نمتلك عقليات تذعن للتبعية دون تمحيص، ولا نُعمل عقولنا فيما نقرأ وما نسمع، ونضع عواطفنا حاكمة على عقولنا، ولهذا فإن العالم الإسلامي منذ توفي الرسول ﷺ إلى اليوم وهو في صراعات وحروب دامية لا تنتهي، بدءًا بمن نعتبرهم خير القرون الذين تقاتلوا بشراسة أكثر مما يقاتلون الأعداء، بل قُتل من قيل إنهم مبشرون بالجنة في موقعة الجمل، ذلك لأنهم بشر عاديون وليسوا مبشرين بالجنة كما يزعم التراث المليء بالشوائب.
المصيبة أن البعض اليوم يقف بهستيريا مجنونة ضد من يحاول إزالة الغشاوة عن أبصارهم (إزالة المياه البيضاء وتركيب عدسات فاحصة) هههه ولا يناقشون بعقلانية والحجة بالحجة، بل ينقضّون على المخالف في الرأي انقضاض الأسد على فريسته دون وعي، إلا الاتباع الأعمى، والويل لك إن خالفت شيوخ *ذيل بغلة السلطان* في أكاذيبهم التي ترسخت في عقول العامة فظنوها الحق، وما بعد الحق إلا الضلال، فصاروا ملكيين أكثر من الملك، والويل لك ان قلت مثلاً: ( ان حكم الرجم حتى الموت للزاني المحصن باطل) بل هو سلوك يهودي، صرف.
(قد تراجع بعض الشيوخ العقلاء ومنهم الدكتور يوسف القرضاوي في اخر ايامه وهم لم يتراجعوا).
وفي هذا السياق، نبسط جزءًا مما قدّمه الدكتور محمد شحرور من قراءة عقلانية معاصرة للنصوص الدينية، وخصوصًا في كتابه الموسوم بـ"السنّة الرسولية والسنّة النبوية: رؤية جديدة"، حيث ميّز _شحرور_ بين ما اعتبره سنّة تشريعية وسنّة ثقافية، ورفض كثيرًا من الأحاديث التي تتناول الغيبيات باعتبارها لا تتوافق مع القرآن الكريم، وبالتالي فهي مكذوبة على الرسول ﷺ، فلا يُعقل أن يقول الرسول ﷺ ما يعارض القرآن الكريم.
مثل الأحاديث التي تتناول الغيب مثل عذاب القبر، الدجال، المهدي المنتظر، ووصف الجنة والنار، والشجاع الأقرع وغيرها، لأنها حسب رأيه لا تستند إلى نص قرآني واضح، بل جاءت من روايات متأخرة وتأثرت بثقافات ما قبل الإسلام.
ومن أسخف ما سمعت من شيوخ الغفلة أنهم يروون حادثة مضحكة، ولكنه ضحك كالبكاء، تقول: إن عمر بن الخطاب حين جاءه الملكان في قبره ليحاسباه، قام من كفنه وسألهما: من ربكما وما دينكما!!
هل تتصورون حجم المهزلة؟!
ويرى _شحرور_ أن الغيب الذي يجب الإيمان به هو ما ورد في القرآن الكريم فقط، مثل الإيمان باليوم الآخر، الجنة والنار، الملائكة، والبعث، دون تفاصيل إضافية من الروايات.
ويقول: يجب أن يكون الحديث إرشاديًا (افعل ولا تفعل)، وألا يتعارض مع نص قرآني، وأن يخضع للتحليل اللغوي والتاريخي، مع الانتباه إلى التحريف والتوظيف السياسي أو الثقافي.
ويسرد آيات تؤكد أن النبي ﷺ لا يعلم الغيب، وهذا متفق عليه بين جميع المسلمين، ومنها:
- ﴿قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك إن أتبع إلا ما يوحى إليّ﴾
- ﴿قل لا أملك لنفسي نفعًا ولا ضرًّا إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسّني السوء إن أنا إلا نذير﴾
- ﴿ولا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول إني ملك﴾
- ﴿قل ما كنت بدعًا من الرسل وما أدري ما يُفعل بي ولا بكم﴾
- ﴿تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا فاصبر إن العاقبة للمتقين﴾
كل هذه الآيات تقول إن الرسول لا يعلم الغيب، وإن الغيبيات التي يجب أن نؤمن بها هي ما وردت في القرآن الكريم حصرًا لا سواها.
ويضع تساؤلات منها:
- هل الأحاديث التي تتحدث عن الغيب وُضعت لاحقًا أم أنها صحيحة؟
- وإذا كانت صحيحة، كيف لم يرد توضيح لها في القرآن الكريم؟!
- وهل يمكن أن يكون النبي قد أُوحي إليه ببعض الغيب الذي لم يُذكر في القرآن؟
- وإن كان ذلك صحيحًا، فمن الرسول الذي أوصل المعلومة للنبي عن الله، لأن جبريل عليه السلام لم يذكرها؟!
*ملاحظات مهمة:*
- رأي شحرور يُعد من الآراء الحداثية التي تثير جدلًا واسعًا، ومرفوض من قبل غالبية علماء المسلمين الذين يرون أن السنة النبوية وحيٌ ثانٍ، وأن الغيبيات التي وردت في الأحاديث الصحيحة هي من الدين.
- وفي المقابل، هناك تيارات فكرية معاصرة تتبنى منهجًا نقديًا تجاه التراث، ويرفضون تسمية السنة بـ(الوحي 2)، ويدعون إلى إعادة النظر في مصادر التشريع، وخاصة السنة، ومنهم شحرور.
ولو اعتُمدت السنة كوحي ثانٍ، لجعلنا الله يخطئ ويصيب، وتلك صفة بشرية لا ربانية (تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا)، لأن هناك أحاديث ومواقف فاصلة تصرّف فيها الرسول ببشريته فأخطأ، فعاتبه الله عن بعضها، وتراجع هو عن بعضها الآخر، مثل: تأبير النخيل الذي تراجع عنه، وإذنه للمنافقين بالتخلف عن موقعة مؤتة اجتهادًا منه دون أن يتبين له نفاقهم، فعاتبه الله قائلًا: _(عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين)التوبة: 43
وخلاصة القول: ان القران الكريم محفوظ من الله ( انا نحن نزلنا الذكر انا له لحافظون) ولانقاش فيه الا من باب الاستنباط او التدبر فقط.
اما السنة النبوية فليست وحياً ابداً ويعتريها الخطا والصواب فما صح منها يقيناً اخذناه وما اشكل منها يجب مراجعته والتدقيق فيه.