مفتتح:
*"لعمرك ما الرزية هدمُ دارٍ.. ولا شاةٌ تموت ولا بعيرُ*
*ولكنّ الرزيةَ موتُ حُرٍّ.. يموتُ لموتهِ بشرٌ كثيرُ"*
*انها خطى تقود نحو النعش.*
لم تكن المسافة بين صنعاء وعدن مجرد كيلومترات تقطعها السيارة؛ بل كانت في ذلك اليوم الخريفي الحزين جسراً ممتداً بين زمنين: زمن الحلم، وزمن الانكسار.
عاد الرئيس سالم ربيع علي (سالمين) من صنعاء، لكنه لم يعد كما غادرها.
كانت خطواته مثقلة بوجع لم تشهده جبال اليمن من قبل، كأنما يجر خلفه في طريق العودة نعش وطنٍ بأكمله. لم يتجه سالمين إلى القصر الرئاسي، بل قادته خيبته وانكساره إلى دار أمه في أبين؛ هناك حيث ينزع الملوك والرؤساء أقنعة السياسة ليعودوا أطفالاً يبحثون عن الدفء.
*في حضرة الأم: انكسار الجبال*
كانت الأم تنتظر على أحر من الجمر، تتلمس الأخبار وتنتظر قادمًا يطمئنها عن رفيق درب ابنها، الرئيس إبراهيم الحمدي، الذي غدرت به أيادي المؤامرة.
دخل سالمين. بملابس السفر ملطخة بغبار طريق الموت، ملامحه يكسوها ذهول مرعب. ولأول مرة، لم يسلم على أمه كما كان يفعل دائماً؛ بل ارتمى على الأرض والتحف الصمت، حتى حذاءه لم يخلعه.
نظرت الأم في عينيه، فلم تجد الرئيس القوي، بل رأت انكسار الرجال الذين لا ينكسرون.
بصوت مرتجف يملؤه التوجس، سألته: *«ما الذي حدث يا سالم؟»*
رفع رأسه نحو السقف، كأنما يتراءى له في زوايا الغرفة طيف رفيقه المغدور. وبصوت مبحوح، خرج كأنه يئن من تحت أنقاض كارثة، قال:*«يا أماه.. لقد ماتت السياسة في اليمن»*.
فاجأته بالسؤال المرعب: *«وماذا عن إبراهيم؟»*
فأجابها بنبرة تقطر دماً: **«لقد دفنا الرجولة في صنعاء، وتركنا قلوبنا هناك في القبر.. لقد قتلوا الروح التي كانت تجمعنا يا أماه»*.
*النبوءة القاتلة: طابور الموت الطويل*
مسح سالمين وجهه بكفه المرتجفة، وتابع بكلمات صُبّت كالحمم: **«من اليوم فصاعداً سنمشي في هذه الأرض كالغرباء.. الوطن الذي كنا نبنيه بأيدينا أصبح الآن مجرد ثوب ممزق، لا يستر عورة الغدر»*.
لم يستطع الرئيس أن يكمل حديثه؛ استند بظهره إلى الجدار، وترك للدموع العنان لتغسل ما تبقى من هيبته أمام أمه. سألته الأم بقلب ينبض بالخوف: *«والآن يا بني.. ماذا ستفعل؟»*
نظر سالمين إلى الأفق البعيد، ناطقاً بنبوءته التاريخية التي لم تتأخر كثيراً لتتحقق:*«الآن يا أماه سأنتظر دوري في هذا الطابور الطويل.. فمن يقتل الرفيق لن يترك الصديق»*.
حينها، صمتت الأم.. ولم تجد ما تقوله.
أدركت بغريزتها أن ابنها لم يعد من صنعاء حياً، بل عاد وهو يحمل جنازته بين ضلوعه.
*نفق بلا ضوء. *
لم تكن تلك المحادثة بين سالمين وأمه مجرد حزن شخصي أو بكائية عابرة، بل كانت إعلاناً رسمياً لنهاية حلم يمني كبير؛ حلم وطن كان يطمح أن يرى الناس فيه إخوة، بعيداً عن صراعات الدماء والولاءات الضيقة.
رحل الحمدي بغدرٍ، ولحق به سالمين بذات الغدر، وبينهما دُفن الحلم المشترك، ودخلت اليمن منذ تلك اللحظة في نفق مظلم لم يجد اليمانيون ضوءاً في آخره حتى اليوم.. ليبقى الوطن من بعدهما يقتات على الندم.
ملحوظة:
بالتاكيد لسالمين اخطاء سياسية لكن لاشأن لي بها فمهمتي اظهار ايجابياته التي يشهد بها التاريخ واترك السلب للاخرين....!!