آخر تحديث :الأحد-14 يونيو 2026-09:18م

حضرموت والمملكة العربية السعودية.. قصة إخوة صنعت التاريخ وبنت المستقبل

الأحد - 14 يونيو 2026 - الساعة 12:39 م
م. صالح بن سعيد المرزم


عندما تُذكر العلاقات بين الدول والشعوب، فإن كثيرًا منها يقوم على المصالح السياسية أو الاقتصادية التي قد تتغير بتغير الظروف والأزمان. أما العلاقة بين حضرموت والمملكة العربية السعودية فهي حالة مختلفة تمامًا؛ إذ إنها علاقة ضاربة جذورها في عمق التاريخ، تأسست على الدين واللغة والقبيلة والمصاهرة والتجارة والهجرة المتبادلة، قبل أن تتعزز في عهد الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود رحمه الله، وتستمر حتى عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وولي عهده الأمير محمد بن سلمان حفظهما الله.


لقد أدرك الملك عبدالعزيز مبكرًا القيمة الإنسانية والعلمية والاقتصادية للحضارم، ففتح لهم أبواب المملكة للعمل والاستثمار والمشاركة في بناء الدولة الحديثة. ولم يكن الحضارم مجرد وافدين يبحثون عن الرزق، بل تحولوا إلى شركاء حقيقيين في نهضة المملكة، وأسهموا في تأسيس مؤسسات اقتصادية وتجارية أصبحت لاحقًا من أعمدة الاقتصاد الوطني.


حضرموت والسعودية قبل النفط


قبل اكتشاف النفط بكميات تجارية في المملكة، كانت البلاد تعتمد على التجارة والحج والزراعة وبعض الأنشطة الاقتصادية المحدودة. وفي تلك المرحلة ظهر الدور الحضرمي بوضوح من خلال آلاف التجار والعلماء والمهنيين الذين استقروا في الحجاز ونجد والمنطقة الشرقية.


كان التاجر الحضرمي معروفًا بالأمانة والانضباط والقدرة على بناء الشبكات التجارية الممتدة من الهند وشرق آسيا إلى شرق أفريقيا والخليج العربي. ولذلك وجد الحضارم بيئة مناسبة للعمل في المملكة، كما وجدت المملكة فيهم عناصر بشرية موثوقة ساهمت في تنشيط الحركة الاقتصادية والتجارية.


وقد برز الحضارم في قطاعات الاستيراد والتصدير والمقاولات والنقل البحري والتجارة العامة، وكانوا جزءًا من النخبة التجارية التي ساعدت في توفير السلع الأساسية للمملكة خلال مراحل التأسيس الأولى.


الملك عبدالعزيز والحضارم


نظر الملك عبدالعزيز إلى الحضارم باعتبارهم جزءًا من النسيج العربي والإسلامي للمملكة، فحظوا بمكانة خاصة نتيجة ما عُرف عنهم من التزام ديني وسمعة تجارية حسنة وخبرة اقتصادية واسعة.


وخلال العقود الأولى من تأسيس المملكة، شارك أبناء حضرموت في مختلف قطاعات الدولة الناشئة، سواء في التجارة أو الإدارة أو التعليم أو الأعمال الخيرية. كما ساهم كثير من العلماء الحضارم في نشر العلم الشرعي وتدريس العلوم الإسلامية في الحرمين الشريفين وفي مختلف مناطق المملكة.


ولم تكن العلاقة مقتصرة على الجانب الاقتصادي فحسب، بل امتدت إلى العلاقات الاجتماعية والمصاهرة، حتى أصبحت هناك آلاف الأسر السعودية التي تعود أصولها إلى حضرموت وأصبحت جزءًا أصيلًا من المجتمع السعودي.


الحضارم الذين ساهموا في بناء الاقتصاد السعودي


عند دراسة تاريخ الاقتصاد السعودي الحديث نجد أسماءً كثيرة تعود جذورها إلى حضرموت، وكان لها دور بارز في بناء القطاع الخاص السعودي قبل الطفرة النفطية وبعدها.


ومن أشهر العائلات السعودية ذات الأصول الحضرمية:


* أسرة بن لادن.

* أسرة بقشان.

* أسرة العمودي.

* أسرة بن محفوظ.

* أسرة باعشن.

* أسرة باخشب.

* أسرة باوزير.

* أسرة باجنيد.

* أسرة بافقيه.

* أسرة باكثير.

* أسرة باروم.

* أسرة باسندوة.

* أسرة باحمدان.

* أسرة باناجه.

* أسرة بن زقر.


وقد أسهمت هذه الأسر وغيرها في تأسيس شركات ومؤسسات تجارية وصناعية واستثمارية لعبت أدوارًا كبيرة في تنمية الاقتصاد الوطني السعودي وتوفير الوظائف وتعزيز التجارة والاستثمار.


الحضارم والتعليم والعمل الخيري


لم تقتصر مساهمة الحضارم على التجارة والاقتصاد، بل امتدت إلى التعليم والدعوة والعمل الاجتماعي والخيري.


فقد ساهم علماء حضرموت في نشر العلوم الشرعية في مكة المكرمة والمدينة المنورة وجدة والطائف وغيرها من المدن السعودية، كما شارك رجال الأعمال الحضارم في إنشاء المدارس والمساجد والمؤسسات الخيرية التي استفاد منها المجتمع السعودي لعقود طويلة.


ولذلك فإن الحديث عن الحضارم في المملكة ليس حديثًا عن جالية أو فئة اجتماعية محددة، بل عن مكوّن أساسي شارك في بناء الدولة الحديثة وأسهم في نهضتها الاقتصادية والعلمية والاجتماعية.


رؤية المملكة 2030 واستمرار الشراكة التاريخية


اليوم، وفي ظل رؤية المملكة 2030، تستمر هذه العلاقة التاريخية بصورة أكثر تطورًا وعمقًا. فالحضارم المنتشرون في مختلف مناطق المملكة يمثلون جزءًا من الكفاءات الوطنية السعودية في قطاعات الأعمال والصناعة والتقنية والاستثمار والتعليم والصحة.


كما أن الروابط الاجتماعية والاقتصادية بين المملكة وحضرموت ما زالت قائمة، مدفوعة بتاريخ طويل من الثقة والتعاون والتكامل الإنساني.


خاتمة


إن العلاقة بين المملكة العربية السعودية وحضرموت ليست مجرد صفحة من صفحات التاريخ، بل قصة نجاح عربية نادرة جمعت بين شعبين تربطهما أواصر الدين واللغة والنسب والمصير المشترك. وقد أثبت الحضارم عبر أكثر من قرن أنهم شركاء حقيقيون في بناء المملكة ونهضتها، فيما أثبتت المملكة أنها وطن احتضن أبناء حضرموت ومنحهم الفرصة للمشاركة في صناعة واحدة من أعظم قصص التنمية في العالم العربي.


وإذا كان النفط قد صنع جانبًا مهمًا من قوة المملكة الاقتصادية، فإن الإنسان هو الذي صنع الإنجاز، وكان للحضارم نصيب مشرف ومؤثر في هذه المسيرة المباركة منذ عهد الملك عبدالعزيز رحمه الله وحتى يومنا هذا.