تبدو العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران اليوم أقرب إلى لحظة إدارة المصالح أكثر من كونها مواجهة مفتوحة أو مصالحة كاملة.
فالتصريحات المتبادلة، والتحركات الدبلوماسية، والوساطات الإقليمية، كلها تشير إلى أن الطرفين وصلا إلى مرحلة متقدمة من التفاوض، لكن دون الوصول بعد إلى اتفاق نهائي مضمون.
في الظاهر، يرفع الرئيس الأميركي دونالد ترامب سقف الخطاب، مؤكدًا أن أي اتفاق مع إيران يجب أن يكون عظيمًا وذا معنى، لا نسخة جديدة من اتفاق إدارة أوباما الذي يعتبره فاشلًا ومهد الطريق أمام طهران لتطوير قدراتها النووية.
وفي المقابل، تتعامل إيران بحذر محسوب، فهي تتحدث عن إطار تفاهم لا عن اتفاق مكتمل، في رسالة واضحة بأنها لا تريد الظهور بمظهر الطرف المتنازل أو المتعجل.
لكن خلف التصريحات السياسية الحادة، تكشف المعطيات أن هناك بالفعل أرضية تفاهم تتشكل تدريجيًا.
التحركات الإيرانية الأخيرة إلى الدوحة، بقيادة رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، ووزير الخارجية عباس عراقجي، تعكس أن المفاوضات تجاوزت مرحلة الرسائل غير المباشرة، ودخلت مرحلة البحث في التفاصيل الحساسة.
واللافت أن النقاشات لم تعد تقتصر على الملف النووي فقط، بل توسعت لتشمل أمن الملاحة في مضيق هرمز، وآلية الإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة، ومستقبل اليورانيوم عالي التخصيب، وهنا تتضح طبيعة الصفقة المحتملة.
الولايات المتحدة تبدو معنية أولًا بضمان استقرار سوق الطاقة العالمي ومنع أي تهديد لإمدادات النفط عبر مضيق هرمز، خصوصًا في ظل القلق من اتساع التوترات الإقليمية.
أما إيران، فترى في أي اتفاق فرصة لكسر جزء من الحصار الاقتصادي واستعادة متنفس مالي يخفف الضغوط الداخلية المتزايدة.
وفق التسريبات المتداولة، يقوم التصور الأميركي على مرحلتين:
أولًا، ضمان أمن الملاحة في مضيق هرمز، مع التزام إيراني بخفض التصعيد والتراجع عن اليورانيوم عالي التخصيب.
ثانيًا، معالجة الملف النووي بشكل أوسع، مقابل تخفيف تدريجي للعقوبات والإفراج عن الأموال المجمدة، غير أن العقدة الأساسية ما تزال تتمثل في الثقة.
واشنطن تريد التزامات ملموسة وقابلة للتحقق، بينما تخشى طهران من تكرار سيناريو الانسحاب الأميركي من أي اتفاق مستقبلي كما حدث سابقًا.
وفي الخلفية، تقف إسرائيل كطرف قلق لكنه محدود التأثير هذه المرة، فرغم اعتراض رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، على أي تفاهم لا يفكك بالكامل البنية النووية الإيرانية، إلا أن المؤشرات القادمة من واشنطن توحي بأن إدارة ترامب تتصرف وفق حساباتها الاستراتيجية والاقتصادية الخاصة، وليس وفق الرؤية الإسرائيلية بالكامل.
اللافت أيضًا أن الملف النووي لم يعد وحده مركز التفاوض كما كان في السنوات الماضية.
فالمعادلة الجديدة تربط بين الأمن البحري، وأسواق الطاقة، والعقوبات، والنفوذ الإقليمي، وحتى تهدئة الجبهات المشتعلة في الشرق الأوسط.
وهذا يعني أن الاتفاق المحتمل، إن تم، سيكون أوسع من مجرد تفاهم نووي تقني، وأقرب إلى صفقة تهدئة شاملة بضمانات متبادلة.
مع ذلك، لا يمكن الحديث حتى الآن عن اختراق نهائي. فالتسريبات الأميركية نفسها تؤكد أن الاتفاق منجز بنسبة كبيرة لكن بعض التفاصيل الجوهرية لا تزال عالقة، خصوصًا ما يتعلق بمصير مخزون اليورانيوم الإيراني وآليات تنفيذ الالتزامات.
الخلاصة أن واشنطن وطهران تقتربان فعلًا من نقطة تفاهم، لكنهما لم تصلا بعد إلى لحظة الحسم. الطرفان يدركان أن كلفة الانفجار كبيرة، وأن التهدئة تخدم مصالحهما في هذه المرحلة، إلا أن انعدام الثقة، وضغوط الداخل، وحسابات الحلفاء والخصوم، كلها عوامل قد تجعل الاتفاق التاريخي ممكنًا، أو تؤدي في اللحظة الأخيرة إلى انهياره.
محمد خالد الحسيني