يُروى أن حماراً دخل في مجادلة مع نمر حول لون العشب، فأصرّ الحمار على أنه أزرق بينما أكد النمر أنه أخضر. وإذ احتكما إلى ملك الغابة، قضى بتأييد الحمار، فانصرف الأخير فرحاً بوهم الانتصار، في حين أدرك الملك أن الحق مع النمر، وإنما أراد بذلك قطع دائرة جدل عقيم لا يفضي إلى نتيجة.
وتكشف هذه الحكاية عن حقيقة منهجية مهمة: أن أشد صور إهدار الوقت والجهد هي الدخول في جدل مع من لا يبتغي الحقيقة، بل يسعى إلى تثبيت وهمه وإثبات ذاته. فمثل هذا الجدل لا يفضي إلى تراكم معرفي، بل يتحول إلى استنزاف للطاقة الذهنية وإهدار للموارد العقلية.
المعنى
النقاش غير الهادف إلى الحقيقة هو خطاب حواري ينحرف عن غايته الأصلية المتمثلة في الوصول إلى فهم مشترك، ليصبح وسيلة للدفاع عن موقف مسبق من خلال ثبات الافتراضات وانتقائية الاستدلال واللجوء إلى الشخصنة عند ضعف الحجة. ويعد هذا النمط من النقاش استنزافاً للموارد الذهنية والنفسية، إذ يستهلك وقت الفرد وطاقته دون أن ينتج عنه تراكم معرفي أو تصحيح للمفاهيم، مما يقلل من دافعيته للمشاركة في حوارات بناءة لاحقاً.
وتقتضي الكفاءة في إدارة مثل هذه المواقف الاعتماد على التشخيص المبكر لنية الطرف الآخر، والانسحاب الاستراتيجي عند تجاوز الكلفة للعائد، أو التحول إلى أسلوب التقصي عبر طرح الأسئلة الناقدة لإعادة عبء الإثبات وإظهار تماسك الموقف. فالهدف ليس الانتصار في الجدل، بل حماية الموارد المعرفية وتوجيهها نحو ما هو مثمر.
خاتمة
وعليه، فإن جدوى الحوار تظل مرهونة بوجود نية مشتركة للبحث عن الحقيقة. وغياب هذه النية يجعل الاستمرار في النقاش ضرباً من العبث، ويجعل الانسحاب أو إعادة تأطير الحوار خياراً عقلانياً يحفظ الموارد المعرفية للفرد، كما فعل ملك الغابة حين قطع دائرة الجدل العقيم.