آخر تحديث :السبت-23 مايو 2026-10:30م

حين يصبح اللون أقوى من القيم التمييز العنصري إياك أعني

السبت - 23 مايو 2026 - الساعة 09:52 م
د. علي الدويل

في كل حقبةٍ من التاريخ كان التمييز العنصري أشبه بمرضٍ خفيٍّ يتسلل إلى المجتمعات فيمزق وحدتها ويهدم قيمها ويطفئ نور العدالة فيها وما من أمةٍ سمحت لنعرات اللون أو القبيلة أو العِرق أو الطبقة أن تتحكم في مصيرها إلا دفعت الثمن باهظًا من أمنها واستقرارها وتقدمها الحضاري. فالعنصرية ليست مجرد فكرة منحرفة بل مشروع سقوطٍ أخلاقي وحضاري متكامل.


لقد أثبت التاريخ أن المجتمعات لا تنهض بالكراهية بل تنهض حين يشعر كل فرد فيها أن إنسانيته مصونة وأن كرامته لا تُقاس بلون بشرته ولا بأصله ولا بانتمائه القبلي وحين تُختزل قيمة الإنسان في نسبه أو لونه فإن المجتمع يبدأ فعليًا في كتابة شهادة انهياره بيده.


في العصر الجاهلي بلغت العصبية القبلية والتمييز الطبقي ذروتهما حتى أصبح الإنسان يُقيَّم بحسب نسبه لا بحسب أخلاقه أو علمه أو شجاعته وكانت القبائل ترى التفاضل في الدم واللون لا في القيم والعمل.


ولعل قصة الشاعر والفارس عنترة بن شداد تمثل واحدة من أعظم الشواهد التاريخية على قسوة التمييز العنصري. فعلى الرغم من شجاعته النادرة وبطولاته الأسطورية ظل يُعامل باحتقار بسبب لون بشرته وأصل أمه الحبشية لم يشفع له سيفه ولا شعره ولا فروسيته أمام مجتمعٍ كان أسير النظرة العنصرية الضيقة.

وقد عبّر عن معاناته بمرارة حين قال:

“هل غادر الشعراء من متردمِ”

وكأنّه كان يصرخ في وجه مجتمعٍ لا يرى الإنسان إلا من خلال لونه ونسبه لا من خلال قيمته الحقيقية.

لكن المفارقة العظيمة أن التاريخ لم يخلّد أولئك الذين سخروا منه بينما خلد اسم عنترة رمزًا للشجاعة والكبرياء والتمرد على الظلم الاجتماعي.

الفيلسوف اليوناني أفلاطون كان يرى أن العدالة هي أساس استقرار الدولة وأن الظلم يُفسد روح المجتمع. بينما أكد المفكر الفرنسي جان جاك روسو أن الإنسان يولد حرًا لكن المجتمعات الظالمة تقيده بسلاسل التمييز والاستعلاء.


أما الزعيم نيلسون مانديلا فقد قدم للعالم واحدًا من أعظم النماذج الإنسانية في مواجهة العنصرية فبعد عقودٍ من نظام الفصل العنصري البغيض لم يختر الانتقام بل اختار المصالحة والعدالة والمساواة فاستطاعت جنوب أفريقيا أن تتجاوز مرحلة كانت كفيلة بإشعال حرب أهلية مدمرة.

وقال مانديلا عبارته الخالدة:

“لا يولد أحد وهو يكره إنسانًا آخر بسبب لون بشرته.”

وهذه العبارة تختصر الحقيقة الكبرى: العنصرية ليست فطرة بل سلوك يُزرع في العقول ويُغذّى بالخوف والجهل والمصالح الضيقة.

لذلك سيظل التمييز العنصري وصمة عارٍ في جبين البشرية وداءً عضالًا لا تنجو منه الأمم إلا بالوعي والعدل واحترام الإنسان كإنسان.