آخر تحديث :السبت-23 مايو 2026-12:26م

العيدُ على أبوابِ الوطن… والجوعُ في بيوتِ المواطنين

السبت - 23 مايو 2026 - الساعة 10:29 ص
صلاح البندق

مع اقترابِ عيدِ الأضحى المبارك، تتزينُ مدنُ العالمِ بالفرح، وتستعدُّ الأسرُ لاستقبالِ أيامِ العيدِ بما تحملهُ من بهجةٍ ورحمةٍ وصلةِ رحم، غير أنَّ المشهدَ في الوطن يبدو مختلفاً ومؤلماً؛ فالعيدُ يأتي هذا العام ـ كما الأعوامِ السابقة ـ على شعبٍ أنهكتهُ الأزمات، وأتعبهُ الفقر، وأرهقتهُ المعاناةُ اليومية.

فبينما يُفترضُ أن يكونَ العيدُ موسماً للفرح، تحوَّل عند كثيرٍ من المواطنين إلى موسمٍ للقلقِ والحسرة؛ أبٌ يبحثُ عن قيمةِ كسوةٍ لأطفاله، وأمٌّ تفكرُ كيف تؤمِّنُ لقمةَ يومِ العيد، وأسرٌ كاملةٌ تنتظرُ يدَ إحسانٍ أو سلةً غذائيةً من أهلِ الخير، بعدما أصبحَ الراتبُ لا يكفي لأبسطِ متطلباتِ الحياة، إن وُجد أصلاً يا حسرتاه.


والمفارقةُ المؤلمة أنَّ هذا الشعبَ لا يعيشُ فوق أرضٍ فقيرة، بل فوق وطنٍ يمتلكُ من الثرواتِ ما يكفي لبناءِ دولةٍ مستقرةٍ ومزدهرة؛ نفطٌ وغاز، وثروةٌ سمكية، ومعادنُ وذهب، وموانئُ استراتيجية، وثرواتٌ زراعيةٌ وحيوانية، فضلاً عن موقعٍ جغرافيٍّ يُعدُّ من أهمِّ المواقعِ في المنطقة.


لكن السؤالَ الذي يترددُ في وجدانِ الناسِ كلَّ يوم:

كيف يجوعُ شعبٌ يملكُ كلَّ هذه الثروات؟!

وكيف يتحولُ المواطنُ في وطنٍ غنيٍّ إلى باحثٍ عن معونةٍ أو صدقة؟!


إنَّ الأزمةَ لم تعد مجردَ ضائقةٍ اقتصادية، بل أصبحت صورةً صارخةً لاختلالِ الإدارة، وغيابِ العدالة، وانفصالِ السلطةِ عن واقعِ الناس. فبينما تغرقُ المدنُ في الظلام، وتتدهورُ الخدمات، ويقفُ المواطنُ عاجزاً أمامَ ارتفاعِ الأسعارِ وانهيارِ العملة، يعيشُ كثيرٌ من المسؤولين خارجَ الوطن، في فنادقَ فاخرة، وفللٍ وقصور، بعيداً عن طوابيرِ المعاناة، وعن حرارةِ الصيف، وعن وجعِ الأسرِ التي تُصارعُ من أجلِ البقاء.


وفي الوقتِ الذي يحسبُ فيه المواطنُ ثمنَ كيسِ الدقيق، أو قيمةَ ملابسَ متواضعةٍ لأطفاله، تُنفقُ الأموالُ على مظاهرِ الترفِ والسفر، وتُحجزُ الفنادقُ الراقية، وتُرتبُ الرحلاتُ إلى العواصمِ الأوروبيةِ والمنتجعاتِ العالمية، وكأنَّ هناك شعبين يعيشانِ في وطنٍ واحد:

شعبٌ يبحثُ عن الحياة،

وآخرُ يعيشُ فوقَ معاناةِ الناس.


إنَّ المسؤوليةَ الوطنيةَ لا تُقاسُ بعددِ التصريحات، ولا بحجمِ المواكب، بل بقدرةِ الدولةِ على حمايةِ كرامةِ مواطنيها. فالحاكمُ الحقيقيُّ هو من يشعرُ بجوعِ شعبه قبل أن يتحدثَ عن إنجازاته، ومن يرى في معاناةِ الناسِ قضيةً شخصيةً لا ملفاً سياسياً عابراً.


لقد أثبتتِ التجاربُ أنَّ الشعوبَ لا تُهزمُ بالفقرِ وحده، بل تُهزمُ حينَ تفقدُ الثقةَ بالعدالة، وحينَ تشعرُ أنَّ ثرواتِ وطنها لا تعودُ إليها، وأنَّ تعبها يُستهلكُ لصالحِ طبقةٍ لا تعرفُ شيئاً عن واقعِ الناس.


ومع كلِّ هذا الألم، ما يزالُ المواطنُ الجنوبيُّ متمسكاً بصبرهِ وكرامتِه، يحلمُ بوطنٍ تُدارُ ثرواتُه بعدالة، وتُحترمُ فيهِ حقوقُ الإنسان، ويكونُ العيدُ فيهِ فرحةً للجميع، لا مناسبةً تُظهرُ الفوارقَ بين القصورِ وبيوتِ الفقراء.


فالعيدُ الحقيقيُّ ليس في كثرةِ الزينةِ والأسفار، بل في وطنٍ لا ينامُ فيهِ طفلٌ جائع، ولا يقفُ فيهِ أبٌ عاجزاً أمامَ احتياجاتِ أسرته، ولا يشعرُ فيهِ المواطنُ أنَّه غريبٌ داخلَ وطنه.