آخر تحديث :الإثنين-27 يوليو 2026-12:35ص

الوحدة اليمنية .. إنجاز عصفت به القبيلة والمناطقية شمالاً وجنوباً

الجمعة - 22 مايو 2026 - الساعة 11:03 ص
محمد صالح مجمبل


​لم تكن الوحدة اليمنية في الثاني والعشرين من مايو 1990 مجرد حدث سياسي عابر بل كانت تجسيداً لحلم أزلي عاش في وجدان اليمنيّين وكلمة مقدسة رددناها بهتاف حماسي في طوابير الصباح المدرسية حتى غدت حقيقة ملموسة.


جاء هذا المنجز العظيم لينهي عقوداً من الصراع الشطري المرير بين نظامين سياسيين اختلفا في كل شيء تقريباً من الأيديولوجيا إلى الإدارة لكنهما التقيا واتفقا على حتمية الوحدة اليمنية كقدر ومصير.


​غدر "القبيلة" وسقوط القانون

​بيد أن هذا الحلم الوليد لم يكد يتنفس الصعداء حتى بدأت أيادي الغدر والنفوذ تتربص به. وبدافعٍ من حب التسلط والرغبة العارمة في إلغاء الآخر والاستعلاء القبلي جرى الانقلاب التدريجي على مداميك الدولة الحديثة من النخب السياسية في الشمال

وبدلاً من أن تقود "الدولة" قاطرة المستقبل أزيح القانون جانباً وتصدرت "القبيلة" المشهد كحاكمٍ بديل ومسيطر.

تمددت القوى التقليدية مستغلة العصبية والمناطقية رافعة شعاراً ضمنياً مفاده (مع أي لا للدستور) لتفرغ المنجز الوطني من محتواه المدني والديمقراطي.


​في شمال الوطن تظافرت سلطة القبيلة مع تعبئة دينية مسيّسة وغلاف أيديولوجي يخفي وراءه أطماعاً سلطوية توسعية.

مارست هذه المنظومة إقصاء ممنهجاً ضد شركاء الوحدة وهو الأمر الذي فجر الأوضاع وتوج بنحر الوحدة السلمية في صيف عام 1994 إثر حرب ظالمة كشفت عن النوايا السيئة لقوى النفوذ وحوّلت الشراكة الوطنية إلى ما يشبه "الضم والإلحاق".


​ موجة المناطقية المضادة

​رغم الانتكاسة الكبرى لم يستسلم الشرفاء والأحرار من أبناء اليمن شمالاً وجنوباً.

واصلوا نضالهم السلمي والسياسي من أجل إصلاح المسار ومقاومة الفساد ومواجهة الانتهازيين الذين اتخذوا من الوحدة لافتة لنهب الثروات وتثبيت مصالحهم الضيقة.

ومع مرور السنوات تشكل جيل يمني جديد متسلح بالوعي استطاع بنضاله وصوته الحر أن يستعيد الكثير من روح الوحدة المهدورة واضعا يده على مكامن الخلل.


​ولكن ما إن بدأ اليمنيون يتلمسون طريق النهوض وتصويب المسار التاريخي حتى أطلت الأطماع والمشاريع الضيقة برأسها من جديد. برزت في الساحة أصوات "مناطقية جديدة" تتغنى بمظلومية القضية الجنوبية والوحدة لا بقصد الانتصار للحقوق ورفع المظالم وإنما لتوظيف تلك المعاناة كغطاء لتمرير أجندات مناطقية مقيتة لا تقل خطورة عن سابقتها.


حيث ​وجدت الجماهير اليمنية نفسها اليوم محاصرة بين فكين كلاهما مر

​في الشمال أدعياء للوحدة زيفاً يوظفون هذا الشعار المقدس لنصرة قبليتهم وسلاليتهم ومشروعهم المذهبي والطائفي.

و ​في الجنوب أدعياء لرفض مظلومية الوحدة يتخذون من هذا الرفض وسيلة لإنتاج مناطقية إقصائية تعيد تمزيق النسيج الاجتماعي.


​ ان طريق الخلاص الوحيد يكمن في مشروع اليمن الاتحادي

​كون الشعب اليمني اليوم وبعد أن تجرع مرارة الشعارات المتطرفة مثل "الوحدة أو الموت" من جهة و الانفصال أو الموت من جهة أخرى أصبح أكثر وعياً ونضجاً من أي وقت مضى.


لقد أدركت الجماهير أن الدفاع عن قيم ومبادئ الوحدة الحقيقية القائمة على العدالة والشراكة ليس مجرد خيار سياسي بل هو واجب وطني وطريق الخلاص الوحيد لإنقاذ البلاد من الهيمنة القبلية والمناطقية والسلالية.


​لقد باتت الرؤية واضحة في الوجدان الشعبي

ان الوحدة بمفهومها الإنساني والوطني الشامل لم تكن يوماً هي المشكلة بل المشكلة تكمن في أولئك الذين مثلوها زوراً وسرقوا تطلعات الشعب باسمها.


​إن المخرج الحقيقي من هذا النفق المظلم يكمن في مشروع اليمن الاتحادي الجديد المشروع الذي يضمن التوزيع العادل للسلطة والثروة ويؤسس لدولة النظام والقانون ويضع حداً نهائياً للإخفاقات السابقة معيداً للاعتبار كرامة المواطن اليمني من المهرة إلى صعدة في ظل وطن يتسع لجميع أبنائه دون إقصاء أو تهميش

وتمكين أبناء الأرض من الحكم بعيدا من تسط المركزية


محمد صالح مجمبل