آخر تحديث :الجمعة-22 مايو 2026-04:35ص

نزيف الكادر التعليمي بين فصول الدارسة وساحات العسكرة.

الجمعة - 22 مايو 2026 - الساعة 04:19 ص
أنعم الزغير البوكري

تشهد بعض المناطق في الآونة الأخيرة ظاهرة مقلقة تتمثل في مغادرة عدد من المعلمين لمدارسهم، واتجاههم نحو العمل في المجال العسكري أو الأمني مقابل رواتب تُدفع غالبًا بالريال السعودي، في ظل ظروف معيشية خانقة وتدني غير مسبوق في مرتبات القطاع التربوي. هذه الظاهرة لم تعد حالات فردية عابرة، بل مؤشراً خطيراً على عمق الأزمة التي تضرب قطاع التعليم.


إن المعلم، الذي يُفترض أن يكون حجر الأساس في بناء الإنسان وصناعة المستقبل، يجد نفسه اليوم أمام معادلة قاسية: رسالة تربوية عظيمة من جهة، واحتياجات معيشية ملحة من جهة أخرى، ومع غياب الحد الأدنى من الاستقرار المالي، يصبح الخيار الواقعي—وليس المرغوب—هو البحث عن أي مصدر دخل بديل، حتى وإن كان بعيداً عن المهنة التي أفنى سنوات في إعداد نفسه لها.


هذا التحول من التعليم إلى العسكرة لا يعكس ضعف الانتماء للمهنة، بقدر ما يعكس قوة الضغط الاقتصادي الذي يدفع الكفاءات إلى مغادرة مواقعها الأساسية. فحين يعجز الراتب عن تغطية أبسط متطلبات الحياة، تصبح المدرسة في نظر البعض محطة مؤقتة لا يمكن الاستمرار فيها، مهما كانت مكانتها التربوية.

الأثر الأخطر لهذا النزيف لا يقتصر على المعلمين أنفسهم، بل يمتد إلى العملية التعليمية برمتها. إذ تفرغ المدارس من كوادرها المؤهلة، ويُترك الطلاب في مواجهة نقص حاد في الكادر التربوي، ما ينعكس على جودة التعليم ومستوى التحصيل العلمي، ويهدد مستقبل أجيال كاملة.


وفي محاولة لسد هذا الفراغ، يتم اللجوء أحياناً إلى حلول إسعافية، كإسناد بعض المهام التعليمية إلى ضباط أو أكاديميين أو بدائل غير متخصصة. ورغم أن هذه الخطوات قد تخفف من حدة الأزمة مؤقتاً، إلا أنها لا تعالج جذور المشكلة، لأن التعليم ليس مجرد تغطية حصص، بل منظومة متكاملة تحتاج إلى إعداد تربوي وتأهيل مهني واستقرار طويل الأمد.


إن استمرار هذا الوضع يكشف خللاً واضحاً في ترتيب الأولويات، حيث يُترك قطاع التعليم—وهو أخطر وأهم القطاعات—يواجه مصيره في ظل ضعف الدعم وتراجع الاهتمام. ومع كل معلم يغادر فصله الدراسي، تخسر المدرسة خبرة، ويخسر الطالب فرصة، ويخسر المجتمع ركيزة من ركائز بنائه.


إن إنقاذ التعليم يبدأ من إعادة الاعتبار للمعلم، ليس بالشعارات، بل بتحسين واقعه المعيشي، وضمان حقوقه المالية، وتوفير بيئة عمل مستقرة تحفظ كرامته وتمنحه القدرة على الاستمرار في أداء رسالته. فالمعلم الذي يُدفع إلى مغادرة الفصل قسراً، هو مؤشر على أزمة أعمق تهدد مستقبل المجتمع بأكمله، لا مجرد مشكلة وظيفية عابرة.