آخر تحديث :الخميس-21 مايو 2026-01:56ص

الجنوب.. بين حق الاستقلال وإكراهات الواقع السياسي!

الأربعاء - 20 مايو 2026 - الساعة 11:53 م
ناصر بو صالح

بالتزامن مع قرع طبول الاحتفالات بعيد «22 مايو»، لم تعد مسألة «الوحدة اليمنية» مجرد وجهة نظر سياسية خاضعة للنقاش أو قابلة للأخذ والرد في الشارع الجنوبي ، حيث تحولت بفعل الأمر الواقع ، وبفعل التراكمات المريرة ، إلى فكرة «منبوذة» ومرفوضة قطعياً من السواد الأعظم من أبناء الجنوب.


هذا المزاج الشعبي العارم لم يتشكل من فراغ ، ولم يكن وليد صدام عاطفي عابر، وإنما كان حصاداً مراً لسلسلة من السياسات الكارثية والنهج الإقصائي الفج الذي مارسته سلطات صنعاء عقب حرب صيف 1994م، يومها جرى التعاطي مع الجنوب، الأرض والإنسان، بمنطق «الفيد والغنيمة»، وتم تهميش الشريك الجنوبي وإلغاء وجوده تماماً خلف ستار معادلة الأغلبية والأقلية الظالمة، الأمر الذي أسقط مشروع الوحدة في قلوب الجنوبيين وعقولهم إلى غير رجعة.


وأمام هذا الواقع الساطع كشمس النهار، يبرز حق الشعب الجنوبي في تحديد مصيره كحق مشروع ومكفول لا غبار عليه.

غير أن القراءة السياسية الفاحصة والعميقة لمجريات الأحداث تفرض علينا ألّا نسقط من حساباتنا المؤثرات الخارجية وشبكة المصالح والعلاقات الدولية المعقدة، وهي القوى التي تلعب دائماً دوراً محورياً في صياغة مسارات الشعوب وتوجيه بوصلتها.

من هنا، فإن المصلحة الوطنية العليا تقتضي منا التعامل بمرونة فائقة وذكاء سياسي حذر مع تيار المتغيرات المتلاحقة على الأرض، والتقاط الفرص المتاحة عبر خطوات مرحلية مدروسة بعناية، تفضي في نهاية المطاف إلى تحقيق الهدف الأسمى والغاية الكبرى التي يلتف حولها الجميع، وهي استعادة الدولة الجنوبية كاملة السيادة بحدودها المتعارف عليها.


إن حصر الخيارات السياسية في زاوية ضيقة، وتأطيرها داخل شعارات حادة ومندفعة من قبيل «استعادة الدولة أو الموت»، قد يلهب عواطف الجماهير ويدغدغ المشاعر، لكنه بمنطق السياسة البارد وحسابات الربح والخسارة لا يقدم حلولاً عملية على الأرض. نحن بحاجة اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، إلى التفكير الاستراتيجي الهادئ بعيداً عن الانفعال والاندفاع العاطفي، والبحث بوعي عن خيارات انتقالية ذكية تؤسس لبنات مستقبل الدولة المنشودة.

ولعل الحل الأكثر واقعية وقرباً للمنطق في هذه المرحلة الحرجة يتجلى في الذهاب الشجاع نحو خيار «الأقاليم»، سواء من خلال صيغة الإقليمين، أو بمنح كل محافظة حق الحكم الذاتي لفترة زمنية محددة، أو أي صيغة أخرى ستتيح لنا فرصة ثمينة لبناء مؤسساتنا، وتنمية محافظاتنا، وتأهيل كوادرنا الوطنية، كخطوة تمهيدية أساسية وجسر عبور آمن نحو بناء الدولة الجنوبية المستقلة. قد يبدو هذا الطرح في نظر الكثيرين ممن تحركهم العاطفة الجياشة غير مرضٍ، بل وصادماً، لكن حقائق السياسة وإكراهات الواقع المعقد على الأرض تؤكد لنا، وبما لا يدع مجالاً للشك، أن العقلانية والخطوات المتأنية والمدروسة هي السلاح الأقوى لانتزاع الحقوق، بعيداً عن ضجيج التعصب المقيت الذي لا يورث إلا الخيبات.