يقع الأذكياء غالباً في الفخ الأكثر تعقيداً في عالم السياسة: ترف التبريرات اللغوية والفلسفية الذي يسقط عند أول تماس حقيقي مع الواقعية السياسية المحرجة. في إطلالته الأخيرة عبر "بودكاست يمانون"، حاول الدكتور عيدروس النقيب بناء سردية فكرية لمشروع الانفصال، لكنه وقع في معضلة بنيوية تتكرر لدى النخبة؛ وهي العجز عن التمييز بين "القيمة" ككيان ثابت ومبدأ أصيل، وبين "الممارسة" كفعل بشري قاصر خاضع للخطأ والتصحيح.
حين يُسقط السياسي "القيمة" (الفكرة أو المبدأ المشترك كالوحدة أو الدولة) بناءً على خطأ أو خطيئة "الممارسة" (سلوك النظام أو الحاكم)، فإنه يقع في فخ "شخصنة الهياكل التاريخية". والمفارقة هنا تكمن في استشهاد الدكتور برمز تاريخي كـ "أسعد الكامل" كرمز لإمكانية وحدة عادلة يحكمها شخص بمواصفاته؛ هذا الاستشهاد الفلسفي يعترف ضمناً —ودون قصد منه— بأن الأزمة السياسية لم تكن يوماً أزمة "جغرافيا" أو استحالة بشرية للتعايش بين شمال وجنوب، بل هي أزمة أدوات حكم، وإدارة، وعقد اجتماعي.
أولاً: أصحاب الحقائب الجلدية ومأزق "المثالية الانتقائية"
إن عقلية "الفيد والإقصاء" التي سادت المشهد اليمني بعد يوليو 1994 لم تكن خطيئة مبتكرة، بل هي ذاتها العقلية التي قاد بها "أصحاب الحقائب الجلدية" في شمال أمريكا ولايات الجنوب المهزومة بعد عام 1865، وهي ذاتها اندفاعة "بيسمارك" لصبغ ألمانيا بلون عساكر بروسيا. السلاح يحمي الحدود نعم، ولكنه يضع النخبة المنتصرة أمام الاختبار الأصعب: هل تمتلك عبقرية الاستيعاب؟
في المقاربة التاريخية، نجد أن دولاً كالمملكة العربية السعودية توحدت في إطار هويات جهوية متنوعة، ومع بدايات بسط سلطة الدولة الوليدة، حدثت أخطاء وممارسات إقصاء وتهميش ناتجة عن حداثة التجربة وفرض سلطة المركز. ومع ذلك، وبسبب عامل الوقت والنضج السياسي، امتلكت القيادة الإرادة لتصحيح المسار والتحول نحو شرعية "المواطنة واحتواء التنوع"، ثم جاءت الثروة لتعزز قدرة السلطة على هندسة احتواء الجميع في إطار المشروع الوطني الواحد.
المعضلة في سردية النقيب الانفصالية المعاصرة أنه يعجز عمدًا عن رؤية هذا الفارق؛ لأن الاعتراف بأن الأزمة هي أزمة ممارسات ونخب يعني أن الحل يكمن في الإصلاح البنيوي وصياغة عقد اجتماعي جديد، وهو ما ينسف الشرعية الأخلاقية للمشروع الذي يقتات على فكرة "استحالة التعايش التاريخي".
ثانياً: تسطيح "الدولة" إلى مزاج الشراكة
من أكثر المظاهر افتقاراً للنضج السياسي في خطاب الدكتور النقيب التبريري هو تسطيح معنى الدولة والوحدة وتحويلهما إلى مجرد "شركة تجارية" أو "شراكة مزاجية" يفضها أحد الشركاء إذا غضب. الدولة في النظم السياسية الناضجة ليست لعبة أطفال يُعلن فيها الفاشل انسحابه قائلاً "بطلنا اللعبة" بمجرد تعرضه للاستبعاد أو الإقصاء؛ بل هي كيان سيادي يُبنى على نضال مدني مستمر لإعادة ترتيب الأوراق، وتجاوز الأخطاء السياسية، والضغط لتغيير الممارسات من داخل الهيكل لا بهدم المعبد.
هذا التسطيح يصطدم دوماً بالحقائق التاريخية الحية؛ كتجربة تكتل "اللقاء المشترك" التي مثلت اللحظة الأبرز في كسر الاستعصاء السياسي، حيث استطاعت القوى من مختلف التوجهات والجغرافيات تجاوز مخلفات حرب 1994 وصياغة مشروع وطني لمواجهة تغول السلطة، وهي التجربة التي أُجبر الضيف على الاعتراف بنجاحها رغماً عن محاولات المراوغة للتنصل من أدبيات القطيعة الأيديولوجية.
ثالثاً: مأزق الخصومة الشخصية وعقدة الشيخ الزنداني
تتجلى راديكالية الخصومة الأيديولوجية عندما تعمي السياسي عن رؤية التحولات الوطنية الكبرى لخصومه، وهو ما ظهر بوضوح في عجز الدكتور عيدروس النقيب عن لجم مشاعره العدائية غير المبررة تجاه الشيخ عبد المجيد الزنداني (رحمه الله). لقد تملّك الضيف إصرارٌ غريب على إنكار الواقع، لدرجة أنه عجز عن إنصاف الرجل حتى في مواقف تاريخية مشهودة وموثقة —شهدت بها زوجة الدكتور النقيب نفسها— حين خرج الشيخ من عباءة السلطة ليدعم المطالب الشعبية.
إن عقلية رجل الدولة تقتنص هذه التحولات واللحظات الإنسانية والوطنية للبناء عليها وصناعة المشترك، بينما يرفضها المسكون بالعداء الشخصي؛ لأن إنصاف الخصم وإبراز مواقفه الإيجابية المتأخرة يُفسد "نقاوة سردية الشيطنة" التي يقتات عليها خطابه التعبوي لإبقاء الشارع في حالة احتقان دائم.
رابعاً: ميزان النضج.. "ياسين سعيد نعمان" في مواجهة "المنظر الثائر"
يتجلى الفارق الجوهري بين رجل الدولة الناضج والناشط الحزبي الأسير لمشاعره عند مقارنة مواقف النقيب بمواقف قامة أخرى من مدرسته الفكرية ذاتها كالدكتور ياسين سعيد نعمان. وحسبنا هنا أن نستدعي الذاكرة الإعلامية المقارنة:
حين سأل الإعلامي سامي كليب الدكتور ياسين سعيد نعمان، في برنامج "زيارة خاصة" على قناة الجزيرة، عن موقفه من "خطاب التكفير" الذي وُجّه ضد الحزب الاشتراكي اليمني من قِبل تيار في حزب الإصلاح (الذي أصبح لاحقاً حليفاً سياسياً للاشتراكي)، جاء رد ياسين متسامياً ومستوعباً؛ حيث أكد أنه يتفهم طبيعة المرحلة التاريخية التي أنتجت ذلك الخطاب في إطار التعبئة والتحشيد والصراع السياسي الطبيعي.
هنا يكمن الفرق؛ الدكتور ياسين فكك الظاهرة كـ "رجل دولة" يدرك أن تفاصيل التحشيد تذهب مع مرحلتها ويبقى المشترك الوطني، بينما ظهر الدكتور عيدروس النقيب في المقابل عاجزاً عن تجاوز تلك التفاصيل المثيرة للجدل، وظل رهين لحظة التعبئة لعام 94، مستدعياً إياها بمرارة ذاتية تفقد الأكاديمي موضوعيته، وتمنع السياسي من صياغة بدائل حقيقية للمستقبل.
خلاصة القول:
إن مأزق الخطاب الذي يسوقه الدكتور عيدروس النقيب اليوم هو اصطدامه بالواقعية السياسية السائلة؛ فحين نقله ذكاء المحاور من مربع "المظلومية التاريخية المريحة" إلى "الاستحقاقات الراهنة" (سلوك المجلس الانتقالي، وتجاذبات حضرموت والمهرة)، تهاوت الفلسفة وظهر التشنج الحزبي وضيق الصدر الـمُفاجئ.
الشارع الجنوبي اليوم بات يخشى تكرار تجارب الإقصاء الاستبدادية السابقة ولكن بوجوه جنوبية، وبأدوات تفتقر تماماً لـ "عبقرية الاستيعاب". التاريخ لا يرحم العقول التي لا ترى في الوطن إلا جراحه ونقاط إخفاقه، وتعجز عن تقديم مشروع حقيقي للحوكمة والإدارة يتجاوز الرومانسية الثورية والشعارات العاطفية، نحو مواطنة حقيقية ومؤسسات تحمي الإنسان قبل الحدود.