آخر تحديث :الخميس-21 مايو 2026-01:56ص

مأرب: نموذج واعد للدولة الوطنية بين الاختزال والحقيقة

الأربعاء - 20 مايو 2026 - الساعة 10:31 م
عبدالرحمن الاعذل المرادي

مقال /الشيخ عبد الرحمن الاعذل المرادي


في خضم التحولات الدراماتيكية التي يشهدها المشهد اليمني، تبرز محافظة مأرب كنموذج استثنائي يستحق التوقف عنده طويلاً. فرغم محاولات بعض الأصوات اختزال هذه المحافظة الغنية بتاريخها وحاضرها الواعد في صور نمطية تجمع بين الجهل والفوضى والقطيعة مع الدولة، فإن وقائع السنوات الأخيرة تقدم رواية مختلفة تماماً.


لقد أثبتت مأرب، من خلال الممارسة لا الشعارات وحدها، أنها قادرة على أن تكون نموذجاً وطنياً رائداً في مجالات الصمود والتنمية والتعايش، وذلك ضمن سياق حرب عصفت بغيرها من المناطق.


المحافظة على مؤسسات الدولة: خيار استراتيجي


في مرحلة تهاوت فيها مؤسسات الدولة في عدد من المدن اليمنية الكبرى، استطاعت مأرب - بجهد جماعي ومؤسسي منظم - أن تحافظ على استمرارية عمل مؤسساتها الحيوية. تحولت المحافظة إلى مساحة آمنة استوعبت ملايين اليمنيين من مختلف المحافظات، في تجربة إنسانية ولوجستية معقدة غير مسبوقة، تمت بإدارة متاحة للجميع بعيداً عن أي تمييز أو إقصاء.


هذه الحالة لم تكن مثالية بالمعنى المطلق، فالحرب تترك آثارها على كل شيء، لكنها تظل تجربة متقدمة في التكافل الوطني داخل سياق حرب مدمرة. ما تحقق في مأرب يمثل درساً في كيفية إدارة الأزمات وحماية الدولة من الانهيار الكامل.


العلم كأساس لإعادة الإعمار: استثمار في المستقبل


لم تكتف مأرب بمجرد احتضان النازحين وتأمين احتياجاتهم الأساسية، بل ذهبت إلى أبعد من ذلك باستثمارها في عقولهم. جامعة إقليم سبأ، التي تضم اليوم أكثر من 18ألف طالب وطالبة من مختلف المحافظات اليمنية، تعكس قناعة راسخة بأن بناء المستقبل يبدأ من التعليم وتأهيل الكوادر.


هذا الحضور الأكاديمي المتنامي يقدم نموذجاً حياً لمشروع وطني تنموي يتجاوز منطق الطوارئ إلى التخطيط الاستراتيجي طويل المدى. في وقت تحولت فيه جامعات أخرى إلى ثكنات عسكرية أو مراكز للأيديولوجيا، ظلت جامعة إقليم سبأ بمحافظة مأرب منارة للعلم والتخصص.


مؤسسة عسكرية جامعة: تجاوز المناطقية إلى الوطنية


في مجال الأمن والدفاع، تشكلت المؤسسة العسكرية في مأرب وفق أسس وطنية ضمت أبناء اليمن كافة من جنوبه وشماله وشرقه وغربه، لتعبر عن هوية جمهورية جامعة. هذه التركيبة الوطنية ساهمت في تثبيت الاستقرار النسبي الذي تتمتع به المحافظة، وجعلت من الجيش درعاً للدولة لا لأي فئة أو منطقة أو حزب.


لقد أثبتت التجربة أن الجيش الوطني عندما يُبنى على أسس مهنية ووطنية يصبح قادراً على حماية الجميع دون تمييز، وهذا ما تحقق في مأرب بشكل لافت.


تعددية سياسية وإعلامية واقعية: استثناء في زمن الأحادية


وفرت مأرب مساحة سياسية مفتوحة أمام مختلف القوى الوطنية، وعاشت تعددية حزبية حقيقية بعيداً عن الإقصاء والتهميش. كما احتضنت منابر إعلامية متعددة تعبر عن أطياف مختلفة، في وقت تقلصت فيه هامش الحرية بشكل كبير في مناطق أخرى.


هذا المناخ، رغم ما قد يشوبه من توترات طبيعية في أي مجتمع حيوي، يظل مثالاً يحتذى في إدارة الاختلاف في إطار وطني جامع. الحرية المسؤولة التي عاشتها مأرب كانت أحد عوامل جذبها للملايين من كل المحافظات.


دور القيادة ضمن منظومة مؤسسية: قيادة وطنية بامتياز


يُعزى جزء كبير من هذا الأداء الاستثنائي إلى إدارة المحافظة التي يتقدمها عضو مجلس القيادة الرئاسي اللواء سلطان العرادة، حيث ارتبط اسمه بمشروع الاستقرار والتنمية والحفاظ على مؤسسات الدولة في أصعب الظروف.


لكن نجاح هذه التجربة لم يكن نتاج جهد فردي أو قيادي فقط، بل كان ثمرة تعاون مثمر بين القيادة وأبناء المحافظة والمجتمع المدني والقطاع الخاص، ما جعل من مأرب عنواناً للشراكة الوطنية واحتضان الجميع في الوعي الجمعي اليمني.


حدث التخرج الأخير: رسالة عملية نحو المستقبل


جاء حفل تخريج نحو 1500 طالب من كلية الطيران والدفاع الجوي ليعيد التأكيد على أن مأرب تبني للمستقبل بثقة وعزم. هذا الحدث لم يكن احتفالياً فقط، بل هو ترجمة عملية لسياسة تأهيل الكوادر الوطنية، وخطوة جادة في مسار بناء دولة حديثة قادرة على حماية نفسها بعقول أبنائها وسواعدهم.


إن تخريج دفعة جديدة من الضباط المتخصصين في مجال الطيران والدفاع الجوي يحمل رسالة واضحة: اليمن الجديد يبنى بالعلم والكفاءة، وليس بالولاءات الضيقة والأيديولوجيا المتطرفة.


تحديات قائمة وآفاق مفتوحة


لا يمكن إنكار التحديات الكبيرة التي تواجه مأرب، فهي لا تزال في مقدمة جبهات القتال ضد الميليشيا الحوثية، وتستضيف أكثر من ثلاثة ملايين نازح، وتعاني من محدودية الموارد رغم ثرواتها النفطية. كما أن بعض الممارسات الفردية الخاطئة قد شوهت أحياناً صورة هذه التجربة الناجحة.


لكن المهم أن هناك إرادة واضحة للتطوير والتصحيح، وهو ما ظهر في الخطوات الأخيرة لتحسين الأداء المؤسسي وتعزيز مكافحة الفساد ورفع كفاءة الخدمات المقدمة للمواطنين والنازحين على حد سواء.


الخاتمة: نظرة واقعية إلى نموذج واعد


مأرب اليوم ليست مجرد محافظة نفطية ولا مجرد ساحة حرب. إنها حاضنة جمهورية حقيقية ونموذج تنموي وإنساني يحمل نقاط قوة حقيقية، رغم التحديات التي لا تنفك تواجه أي منطقة في زمن الحرب.


من يقيّم مأرب بموضوعية وإنصاف سيجد أنها استطاعت، في أصعب الظروف التي مرت بها اليمن الحديث، أن تكتب اسمها كقلعة للدولة وواحة للأمان ونموذج يحتذى في إدارة الأزمات. مأرب أصبحت وطناً يتسع للجميع بقدر ما يتسع لأحلامهم وإخفاقاتهم وطموحاتهم.


في زمن تتكسر فيه الدول وتتهاوى فيه المؤسسات، تبقى مأرب شاهداً على أن اليمن قادر على النهوض، وأن الدولة الوطنية ليست وهماً أو حلماً، بل ممكن يتحقق بالإرادة والمؤسسات والقيادة الحكيمة.


إن الرسالة التي تطلقها مأرب اليوم إلى العالم واضحة: النجاح في إدارة الأزمات ممكن، والبناء فوق أنقاض الحرب حقيقة، ومستقبل اليمن يكتب الآن في حقولها وجامعاتها ومؤسساتها العسكرية والمدنية.



✍️عبد الرحمن الاعذل المرادي


عضو الهيئة العليا لإتحاد الرشاد اليمني