كنت في زيارة لأرض الكنانة وتشرفت أثنائها بزيارة فخامة الرئيس علي ناصر محمد في منزله بالقاهرة،
والرئيس علي ناصر يشرّفني أنه يتابع كثيراً مما أكتب وأشعر بتقديره واحترامه كما هو الشعور متبادل،
وكالعادة تداولنا أطراف الحديث من الواقع المعاصر وعودة للتاريخ الجميل إلى زمن كنده العظيمة وتاريخها قبل الأفول وكانت المفاجأة بالنسبة لي أن فخامته يحفظ الكثير من أشعار الملك الكِنْدي امرؤ القيس وبالذات معلقته الشهيرة،
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل
بسقط اللوى بين الدخول فحومل
وسأعود للكتابة عن ذلك في قادم الأيام إن شاء الله،
وأما موضوعي اليوم هو كتاب حرمه المصون الدكتورة ريم فؤاد عبد الغني والذي أهدتني إياه ويحمل عنوان (حضرموت حضارةٌ لا تموت) وكتبت إهداء بسيطاً معبراً:
(السيد محمد بالفخر المحترم:
مع خالص مودّتي وتمنياتي الطيبة لحضرموت وأهل حضرموت،
القاهرة 19/12/2024.. ريـــــم)
ولك خالص التقدير ولسوريا الحبيبة يا عاشقة حضرموت،
حقيقة الكتاب جميلٌ ورائع عشت معه وأنا أقراه بكل مشاعري وكأنني كنت حاضرا معها في تريم وشبام وسيئون وهي ترصد المباني الطينية وتفاصيلها وترصد تفاصيل وتاريخ ذلك الانسان الحضرمي الكادح العظيم الذي أبهر العالم بهذه المباني الشاهقة في شبام التي أطلِق عليها مصطلح (ناطحات سحاب) تعبّر عن جزءٍ يسير من ثقافة وحضارة حضرموت المطمورة التي لم تجد قيادة وطنية تُبرِزها للعالم كما قال ذات يوم المفكر السوري الدكتور محمد معروف الدواليبي رحمه الله وهو يتحدث عن حضرموت،
الكتاب يحتوي على 351 صفحة مزوّدةً برسومات تعبيرية جميلة تُشكِل إضافة لما لم تدركه أحرف وكلمات الكتاب، وقد بدأته بالإهداء "إلى تريم.. التي حلّقت روحي في حضرتها، وتوحّدتُ بها..
عشقاً صوفياً.. فكأنها أنا، وكأنّي هي..)
وهنا وضروري أن اقتبس بعضاً مما كتبته الدكتورة لأضعه أمام أنظاركم ليس دعاية للكتاب بقدر ما هو ترغيب لاقتنائه ليكون مدخلاً للتنقيب والبحث عن كنوز الحضارة الحضرمية التي بدأت مع بدايات استخلاف الانسان في هذه الأرض،
تقول الدكتورة ريم:
أبهرتني مرونة تلك العمارة العبقرية العربية ودبلوماسيتها.. فهي المخلوقة مثلنا من طين،
حيةٌ وكثيرٌ من أحياء البشر موتى.. وفي حين يُولدُ بعضنا هرماً.. ها هي رغم بلوغها أكثر من خمسمائة عام من العمر، أطال الله في عمرها، مازالت تواجه مزاجية الصحراء، بروحٍ شابةٍ وطيبة خاطر.. تواكبُ احتياجات العصر وتتطلع للاستمرار والتطور..
صارت شُغلي الشاغل.. قضيتي التي أتعبتني ومن حولي، حتى استسلموا لحقيقة أن أكون بينهم وروحي هناك في تريم..
هذه أبسط المشاعر الوجدانية التي كتبتها الدكتورة عن تريم وغيرها من المدن الحضرمية في الوادي فقد قالت تحت عنوان:
قمرٌ مكتملٌ.. في ربعٍ خال.
من سمّاه الربع الخالي؟!
وهل نوافقه على أنه كذلك؟
أليس هو الربع الممتليء الذي يفوق بزخمه ثلاثة الأرباع الأخرى؟
عالمٌ لا يشبهه عالم، وطبقاتٌ متتاليةٌ من جمالٍ متكاثف..
خلاصة الحضارة المعتقة.. وموئلها الأصل..
"ربعٌ خال"؟ بل هو ربع اليمن وثلاثة أرباع جمالها..
وكتبَت عن عشاق حضرموت بحثاً،
عمّن أتوا اليها باحثين عن تاريخها وكنوزها المفقودة، فذكرت قصة ذلك الشاب الألماني المغامر الذي أتاها قبل مائة وسبعين عاماً، والذي كابد مشاقٍ كثيرةٍ وكاد بسببها أن يفقد حياته،
وبعد عودته لم يصدّق معاصروه ما كتبه عن رحلته وبخاصة وصفه مدينة شبام ذات المباني الطينية العالية ب "شيكاغو الصحراء"
فانطوى على نفسه واختفى عن العيان إلى أن مات، وبعد عشر سنوات من وفاته في عام 1870م نشر البارون فون مالتزان قصة وخرائط "أدولف فون ريد" مؤكداً صحةَ ما أتى به، واصفاً إياه بالمكتشف الأعظم لحضرموت،
واستعرضت الدكتورة أسماء كثير من الرحّالة والمستشرقين والباحثين الذين أتوا إلى حضرموت ليكتشفوا شيئاً من أسرارها الدفينة،
وقالت أيضاً من خلال بحثٍ حمل عنوان:
" الحضرمي.. وطنٌ مهاجر.."
لست وحدي.. بل تورّط الكثيرون في عشق حضرموت، حتى أولئك الذين لم يزوروها، إن لم يعرفوها من خلال قراءاتهم فمن خلال التقائهم الحضارم الذين يتوزّع الملايين منهم في مختلف أرجاء العالم منذ قرونٍ عديدة ومازال أحفادهم يتوارثون الجينات والأسماء العربية الحضرمية،
ولأنهم أتوا يحملون الدين مشفوعاً بالتسامح والأخلاق العالية والسمعة الحسنة فقد نشروا الإسلام بالحبِّ لا بالحرب.
وأكتفي هنا ولعلّي أعود إليه إن قُدّرَ لي ذلك.