تابعت جزءا من حديث صديقي العزيز د. عيدروس نصر، وحقيقة أنا حزين على استمرار الرفاق في سياسة جلد الذات الجنوبية، وتبييض جرائم رفاق آخرين.
ولأنني أكن لصديقي الكثير من الحب والاحترام والتقدير، فإنني لا أرغب في مشاهدة المقابلة كاملة، ولا الاستماع إلى كل حديثه بتلك اللغة التي ما كنت أتمنى أن يتحدث بها، وكنت أتمنى أن يكرر حديث الرئيس علي ناصر محمد، وهو الذي يرفض اجترار الماضي، ويؤكد أن أحداث 13 يناير 1986م، مثلها مثل أي أحداث أو صراع حدث على السلطة.
أو أن يكرر حديث الرئيس حيدر أبو بكر العطاس، وهو يسمي الأسباب، حين تحدث عن "الطامع للسلطة" الذي لم يفهم نصيحة الروس له بعدم العودة إلى عدن، فعاد وحصلت الأحداث.. لكن ترى ما الذي يمكن أن نفعله اليوم تجاه تلك الأحداث الدامية؟ والحديث عن "اليمن الطبيعية"، وتحميل الرفيق عبدالله باذيب وزر مشروع الوحدة المشؤوم، وهو الذي توفي في منتصف سبعينيات القرن الماضي.
كيف يكون "باذيب" هو من صنع الوحدة اليمنية، التي قلتَ إنها نتيجة إيمان عميق للشعب الجنوبي، في الوقت الذي تناقض حديثك فيه بالحديث عن مهندسي التعددية السياسية، وعن المثقف الفلتة الذي وقع اتفاقية الكويت مع علي عبدالله صالح؟
لم أكن أتوقع أن يتحدث العزيز "عيدروس نصر" بأسلوب جلد الذات عن التاريخ الجنوبي بتلك الصورة السيئة تجاه التجربة الجنوبية الجميلة، تجاه مشروع الوحدة، في حين أن هذا المشروع لم يحدث لولا حالة الانقسام التي أحدثها الصراع على السلطة في عدن، ومحاولة فرض عبدالفتاح إسماعيل رئيسا بدلا عن علي ناصر محمد. هي أحداث انقلاب مأساوية، ولولا تلك الأح
داث لما ذهب الرئيس علي سالم البيض ورفاقه إلى مشروع الوحدة.
أعذرني صديقي "عيدروس"، لم تكونوا سياسيين، بل كنتم مجموعة من المتأثرين بالدعاية السياسية فقط، إلى درجة أنك تريد أن تقنع جيلا يرى أن تلك التجربة قد ذهبت بكل ما فيها.
سؤال لـ د. عيدروس: هل رأيت مثقفا يمنيا يتحدث عن حروب الإمامة، أو حروب المناطق الوسطى التي أودت بحياة ربع مليون يمني، أو أحداث الانقلاب على السلال والإرياني والحمدي والغشمي، وصولا إلى محاولة اغتيال علي عبدالله صالح في جامع النهدين، واغتياله لاحقا بواسطة مسلحين حوثيين قرب قريته في حصن عفاش؟
الوحدة اليمنية مشروعها كان خطيئة، مثلها مثل خطيئة الصراع على السلطة في 1986م، دون ذلك مجرد محاولة بائسة لتجميل وجه قبيل وحقبة أضاع فيها الساسة الجنوبيون وطناً كان يفترض ان يكون "مستقلاً" إلى اليوم دون أي شعارات عابرة للحدود، لقد أضاع الرفاق الدولة بشعارات كبيرة.
السؤال الذي لا يجرؤ أحد من رفاق الأمس واليوم على الإجابة عنه: هل كان هناك إجماع شعبي على مشروع الوحدة اليمنية؟ أم أن تحميل الرفيق عبدالله باذيب، المتوفى في 1976م، وزر مراهقة صغار الرفاق، التي ذهبت بوطننا نحو خطيئة كارثية؟
ما لفت انتباهي هو إصرار د.
عيدروس نصر على يمننة الجنوب، وتكرار الحديث عن أن الجنوب لم يكن موحدا. فكيف كان الجنوب غير موحد، في حين أن الرفاق يتحدثون عن ما يسمونه بـ"اليمن الطبيعية"؟ الجنوب العربي "الصناعي"، واليمن الطبيعية.. مفارقة مضحكة يا صديقي.
إذا كان الناس في الجنوب يكفرون بموضوع "اليمننة"، فهم في الأساس يكفرون بأفكار الرفاق ومشاريعهم، فاليمن كهوية سياسية لم يكن موجودا، و"اليمن الطبيعي" عمره أقل من عمر نادي التلال الرياضي، وهو مثل المملكة العربية السعودية؛ فهذه التسمية لم تكن تاريخية، ولم تكن هوية أرض، بل هي هوية "أسرة حاكمة". فالإمامة في صنعاء كانت "المملكة المتوكلية"، فالخلاف ليس في التسمية ولا في الهوية، ولكن الاتفاق على أن "الجنوبيين يكفرون باليمننة السياسية"، لأنها ليست كتابا مقدسا، بل هي هوية مثل أي هوية سياسية قابلة للاندثار، مثلها مثل أي هوية سياسية أو حضارة.
نصيحة لوجه الله: احتفظوا بذاكرتكم ومذكراتكم، فنحن لسنا في حاجة اليوم إلى حديث انتقامي، لمجرد أن فلانا أو علانا اختلف مع فلان أو علان من السياسيين.
في جعبتي الكثير لأقوله، ولكن أكتفي بهذا، وأعتذر لصديقي إن أغضبه هذا التعليق القصير.
وبس.
#صالح_أبوعوذل