الزراعة هي الحبل السّري الذي يتغذى منه هذا الوطن، فإذا انقطع هذا الحبل اختنق الوطن جوعا وارتهن للغير. واليوم لم تعد القضية مجرد موسمٍ زراعي خاسر أو مزارع أنهكته الديون والآفات، بل أصبحت قضية وطن يفقد أرضه الزراعية عاما بعد عام، ويتراجع فيه الإنتاج حتى صار المزارع يقاتل وحده في معركة غير متكافئة، بينما الجميع منشغل بالورش والندوات والتقارير والصور التذكارية.
الحقول تصرخ… والمزارع يئن بصمت، فيما الخطابات الرنانة تتحدث عن الأمن الغذائي والتنمية المستدامة والمشاريع العملاقة، وكأن الزراعة بخير. ومثل ما يقول المثل صمنا صمنا وفطرنا على بصلة.
المزارع يزرع الطماطم فتداهمه ذبابة التوتا أبسلوتا، تدمر المحصول وتشوه الثمار، وتُسقط قيمته الاقتصادية حتى يصبح تعب الشهور بلا ثمن.
ويزرع الذرة الشامية، فتأتي دودة الحشد الخريفية، تأكل الأخضر واليابس، فلا يحصد إلا القليل بعد جهد وتكاليف أثقلت كاهله.
ويزرع البصل ويُصدم بعدم قدرته على التسويق، ويتلف محصوله في المنافذ أو في الحقول ، والشواهد كثيرة.
أما الجوافة والمانجو، فتقضي عليها ذبابة الفاكهة، وتلتهم أكثر من نصف الإنتاج، بينما يقف المزارع عاجزا أمام خسائر متكررة لا يجد من يخففها أو يعالج أسبابها.
والسمسم والفول السوداني تفتك بهما الذبابة البيضاء والأمراض الفطرية، في ظل غياب برامج مكافحة حقيقية، وغياب المتابعة العلمية والميدانية لأسباب يعرفها الجميع.
والمصيبة الأكبر أن المنتجات الزراعية اليمنية تُغلق أمامها أبواب التصدير أو تُعرقل بإجراءات طويلة ومعقدة، في الوقت الذي تُفتح فيه أبواب الاستيراد على مصراعيها لمنتجات مستوردة موجودة محليا وبوفرة، وكأن المطلوب إغراق السوق وإضعاف المزارع اليمني حتى يعجز عن الاستمرار.
فكيف يُعقل أن يتلف البصل والطماطم والمانجو في الحقول والمنافذ ، بينما الأسواق تستقبل منتجات خارجية منافسة؟
وكيف نطالب المزارع بالإنتاج، ثم نتركه يواجه الخسارة وحده دون حماية أو تنظيم للأسواق أو دعم للتصدير؟
إن استمرار هذه السياسة يعني ببساطة قتل المنتج المحلي تدريجيا، وتحويل المزارع اليمني إلى متفرج على أسواق بلاده وهي تُملأ بمنتجات كان قادرا على إنتاجها بجودة عالية لو وجد الحد الأدنى من الدعم والرعاية والتسويق.
وفي المقابل، البلد مكدس بجميع أنواع المبيدات المحرمة والمقيدة والمحظورة، ويستخدمها البعض وكأنها ماء صحة تُسقى بها الحشرات، بعد أن اكتسبت كثير من الآفات مناعة ضد المواد الفعالة القوية فيها، بينما تمتد آثارها القاتلة إلى الإنسان والتربة والمياه والغذاء.
وإذا سألت… أين البحث العلمي؟ فالإجابة موجعة.
هذا الصرح الزراعي العريق، أصبح بلا ميزانية تشغيلية، عاجز حتى عن تمويل تجربة علمية واحدة يمكن أن تنقذ محصولًا أو تكافح آفة أو تطور صنفا مقاوما أو أي نوع من التجارب البحثيه المعروفه عند الباحثين
الخبرات تتقاعد ولا تعويض في العمالة، والمعامل تُغلق، والباحث الزراعي يقف مكبل اليدين أمام الانهيار المتسارع.
أما الإرشاد الزراعي، الذي كان يومًا مدرسة متنقلة تصل إلى القرى والوديان والمزارع، فقد أصبح مجرد اسم بلا معنى وجسد بلا روح.
لا موازنات، لا مشاريع، لا وسائل حركة، لا دعم، ولا حتى بيئة عمل آدمية.
ادعموا الإرشاد الزراعي الحقيقي… لا الإرشاد الورقي.
اليوم، كثير من مكاتب الإرشاد الزراعي لا يوجد فيها كرسي صالح للجلوس، ولا مكتب نظيف ولا مروحة تخفف حرارة الصيف، ولا حتى لمبة تنير مكان العمل.
وإذا وجدت كرسيا، فاجلس عليه بحذر… فقد ينهار بك إلى الأرض قبل أن تنتهي من كتابة تقريرك!
أي مفارقة هذه؟
نتحدث عن الأمن الغذائي، بينما أدوات العامل الزراعي أبسط من أن تُذكر.
نتحدث عن التنمية المستدامة، بينما المؤسسات الزراعية نفسها بالكاد تتنفس.
نتحدث عن الزراعة الذكية ونحن غير قادرين على دعم الزراعة التقليدية، ونتحدث عن البصمات الوراثية والأصول الوراثية ونحن عاجزون عن تمويل تجربة زراعية واحدة.
ومن واقع تجربتي ومتابعتي المستمرة لكثير من الحقول شرقًا وغربًا، شمالًا وجنوبًا، فإن الزراعة لا يمكن أن تتعافى بالشعارات، ولا بالمواسم المؤقتة، ولا بالحلول الترقيعية، ولا بالورش والدورات التي تقتصر على أشخاص معينين.
الزراعة تحتاج إلى تخطيط واقعي، وخطط واضحة للمياه والبذور والبحث العلمي والإرشاد والتسويق ومكافحة الآفات والتصنيع الزراعي، إضافة إلى حماية المنتج المحلي وتنظيم الاستيراد وفتح أسواق التصدير أمام المنتجات اليمنية بدلًا من خنقها.
وإن لم يحدث ذلك، فعلينا أن نعترف بشجاعة أننا نسير نحو فقدان محاصيل تاريخية إلى الأبد.
سنفقد القطن الذي كان مفخرة الحقول اليمنية، والبُن الذي حمل اسم اليمن إلى العالم، وربما تلحق بهما محاصيل أخرى كانت يوما جزءًا من هوية الأرض والإنسان.
حين تنهار الزراعة، لا يخسر المزارع وحده… بل يخسر الوطن أمنه الغذائي، وتتوسع دائرة الفقر، وتزداد فاتورة الاستيراد، ونظل نعتمد على ما تجود به المنظمات والمعونات، وكأن بلادنا عاجزة عن إطعام نفسها رغم ما تملكه من أرض وخبرة وتاريخ.
الزراعة تعتبر قطاع سيادي يجب أن يحظى بامتيازات ودعم حقيقي مثل أي قطاع سيادي آخر.
فإما أن نعيد لها الاعتبار والتخطيط والدعم الحقيقي، أو سنظل نكتب المراثي لحقولٍ كانت يوما خضراء… ثم ماتت بصمت.