لم يكن المجتمع اليمني يوماً مجتمعاً بلا قيم أو بلا حدود، بل عرف عبر تاريخه الطويل بأنه مجتمع تحكمه الشهامة وتضبطه الأعراف وتصونه الغيرة على الأعراض. وكانت المرأة اليمنية دائماً موضع احترام وتقدير، تُصان كرامتها ويحفظ حياؤها، لا تُبتذل باسم التطور ولا تُكسر الحواجز التي أقامها الدين والعرف تحت أي مبرر.
لكن ما نراه اليوم في بعض محلات الخياطة من قيام رجال بأخذ قياسات النساء مباشرة، يمثل انحداراً خطيراً وتطبيعاً مع سلوك دخيل لا يشبه اليمن ولا أخلاق أهله. فالمسألة ليست “مهنة” كما يحاول البعض تصويرها، بل قضية قيم وحدود وآداب عامة يجب أن تُحترم. لأن التهاون في مثل هذه الأمور يفتح أبواباً واسعة لتآكل الحياء وضعف الغيرة حتى يصبح المنكر مألوفاً والعادات الدخيلة أمراً عادياً.
إن الرجولة ليست كلمات تُقال، بل مواقف تُحفظ فيها الكرامات وتُصان فيها الحرمات. ومن العيب أن يتحول مكان يُفترض أنه لخدمة النساء إلى مساحة تختلط فيها الخصوصية بما يخدش الحياء ويكسر ما بقي من هيبة الأعراف. فكيف يقبل رجل على نفسه أن يباشر قياسات امرأة ليست من محارمه؟ وكيف يرضى المجتمع أن تُعامل المرأة بهذه الصورة التي تتنافى مع قيم العفة والاحتشام التي تربينا عليها؟
لقد أمر الإسلام بغض البصر، وحث على الحياء، ووضع حدوداً واضحة في التعامل بين الرجال والنساء حفاظاً على القلوب والأعراض والمجتمع كله. ولم تكن تلك التعاليم تضييقاً على الناس، بل حماية لهم من الانزلاق التدريجي نحو التفكك الأخلاقي وفقدان الحس بالغيرة.
والمؤسف أن البعض بات يسخر ممن يتمسك بالقيم، وكأن المحافظة على الحياء أصبحت تهمة، بينما الحقيقة أن المجتمعات لا تنهار فجأة، بل تبدأ بالسقوط عندما تُكسر الحواجز الصغيرة ويُستهان بالأمور التي كانت تُعد سابقاً من المسلمات الأخلاقية.
إن المسؤولية اليوم تقع على أصحاب المحلات أولاً، بأن يتقوا الله في أعراض الناس، وأن يخصصوا للنساء عاملات مختصات بهن، احتراماً لخصوصيتهن وصيانةً لكرامتهن. كما تقع على الأسر والمجتمع مسؤولية رفض كل ما يخالف قيمنا الأصيلة وعدم الاستسلام لمحاولات تطبيع السلوكيات الدخيلة تحت شعارات الحداثة أو الانفتاح.
ستبقى اليمن — رغم كل ما تمر به — أرض العفة والغيرة والنخوة، وسيبقى أهلها يعرفون أن صيانة الأعراض ليست تشدداً، بل شرف لا يُفرّط فيه، وقيمة لا يجوز أن تسقط مهما تغير الزمن.