على ضفاف التاريخ حيث تلتقي الأمواج بأطماع الأمم، يبرز ميناء عدن وجبال أبين ورمالها كأحدث رقعة شطرنج يتقاسم فوقها العمالقة نفوذ القرن الحادي والعشرين، لم يعد الصراع اليوم مجرد بارود ونار بل بات صراعاً صامتاً يُدار بعقود الامتياز وخرائط المسح الجيولوجي.
فبينما ينشغل العالم بضجيج المفاوضات فوق مياه هرمز، يمد التنين الصيني مخالبه الناعمة ليعيد إحياء شريان الحياة في قلب عدن، محولاً إياها من ميناء منهك بالحروب إلى مركز لوجستي لا غنى عنه في جسد "طريق الحرير البحري".
في الثالث عشر من مايو 2026 الحالي حل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ضيفاً على بكين في زيارة دولة هي الأولى لرئيس أمريكي منذ تسع سنوات ، وعلى طاولة المفاوضات بين الزعيمين وُضعت ملفات شائكة: الحرب التجارية، تايوان، وأزمة إيران ومضيق هرمز ، وفي الغرف المغلقة لهذه القمة، يُطرح باب المندب وميناء عدن ويبرز الكبار أوراق التفاوض لإنهاء عقد من صراع النسر الأمريكي والتنين الصيني على معادن الصناعات الدقيقة.
لم تكن بكين غريبة عن موانئ اليمن، ففي عام 2010، رست أولى ناقلات الحاويات الصينية العملاقة على أرصفة ميناء عدن إيذاناً ببدء شراكة طموحة، ثم تبعتها حزمة استثمارات ضخمة عام 2013 تجاوزت خمسة مليارات دولار، شملت توسعة المرفأ وبناء محطة كهرباء عملاقة فقد كانت الصين ترى في عدن بوابة رئيسية لـ"طريق الحرير البحري" ونقطة عبور إلزامية لبضائعها المتجهة من الشرق إلى الغرب، بل إن شركة "China Harbour Engineering" بدأت بالفعل في تنفيذ مشروع توسعة الميناء عام 2010 بطاقة استيعابية تصل إلى 1.5 مليون حاوية سنوياً.
ثم جاءت الحرب عام 2015 وجمدت كل شيء ، وتحت غطاء "مكافحة الإرهاب" تحولت أبين وشبوة الغنيتان بالمعادن الأرضية النادرة والتي تعتبر عصب الصناعات الإستراتيجية المتطورة ، إلى مناطق محظورة على الاستثمار الجاد ،فالفوضى لم تكن عفوية؛ بل كانت أداة ممنهجة لتعطيل أي مشروع صيني قد يهدد النفوذ الغربي التقليدي.
فاليمن لم يعد ساحة حرب أهلية فحسب بل أصبح انعكاساً طبيعياً لتصادم مصالح القوى الكبرى، تتجلى فيه أطراف محلية تتصارع فيما بينها كبيادق على رقعة شطرنج يلعب بها الآخرين .
في الوقت الذي ترتفع فيه رافعات الموانئ تغوص أطماع أخرى في أعماق تربة أبين تلك المحافظة التي لم تعد "منسية" إلا في كشوفات التنمية، بينما هي حاضرة بقوة في حسابات القوى العظمى كمنجم استراتيجي للمعادن الأرضية النادرة، و تحت هذا الثرى المنهك ينام "ذهب المستقبل": الليثيوم الذي يدخل في صناعة بطاريات السيارات الكهربائية، والسكانديوم الذي تستخدمه الطائرات الحربية الأمريكية من طراز F-35 ، وهذه العناصر تقرر اليوم من يملك زمام الصناعات العسكرية والتقنيات المتطورة، وقد تحول هذا الكنز المخبوء إلى ساحة استنزاف منظمة تتداخل فيها الشبكات المحلية مع القوى الإقليمية والدولية.
في بكين كان ملف المعادن النادرة حاضراً بقوة ، فقبل أيام من القمة، أعلن مسؤول أمريكي أن اتفاق المعادن النادر بين واشنطن وبكين لا يزال ساري المفعول، مما هدأ المخاوف من تصعيد محتمل في الحرب التكنولوجية.
لكن هذه الهدنة الهشة تخفي واقعاً مختلفاً: بكين لا تزال تفرض قيوداً صارمة على صادرات المعادن الأرضية النادرة الثقيلة، مثل الإيتريوم والديسبروسيوم، التي تستخدم في الصناعات الدفاعية وأشباه الموصلات، وهذه القيود التي فُرضت انتقاماً من رسوم ترامب الجمركية، كبدت الشركات الأمريكية خسائر بمئات الملايين من الدولارات، وأجبرت البنتاغون على التدخل شخصياً لتأمين التراخيص اللازمة.
تتجلى اليوم ملامح "المقايضة الكبرى"، حيث تُقايض القوى العظمى استقرار الممرات المائية بنفوذ تعديني ووجود استراتيجي طويل الأمد ، ففي فبراير 2026، كشف مسؤول يمني عن تفاهمات متقدمة مع شركات صينية لاستئناف نشاط الترانزيت في ميناء عدن بعد توقف دام 16 عاماً. وقبلها وقّعت اليمن والصين ثلاث اتفاقيات تعاون في قطاع الاستخراج، ركز اثنتان منها على التنقيب عن المعادن في محافظتي أبين وتعز بينما تتأهب عشرات الشركات العملاقة الصينية لإنطلاق صافرة البداية لتتسابق على جبال اليمن ورمالها.
واشنطن التي تراقب في صمت مريب هذا التوغل الصيني، تحرك بيادقها في الظلال لضمان تحييد الخطر، وهي تدرك أن إعادة بناء ترسانتها الصاروخية بعد حرب طهران ستجعلها تعتمد على الواردات الصينية من المعادن النادرة، ما يمنح بكين "أوراق ضغط" هائلة في أي مفاوضات ثنائية مقبلة. وفي خضم هذا المشهد السريالي، يقف الإنسان اليمني متفرجاً على ثروات أجياله وهي تُرهن في غرف مغلقة بعيدة، تاركة الحاضر يغرق في أتون الفقر والفساد، بينما يُباع المستقبل في مزاد "العمالقة" الذي لا مكان فيه للضعفاء.
هل تدرك الحكومة اليمنية أن غيابها عن هذه الطاولة هو أكبر تهديد لوجودها ذاته؟
أم أنها ستظل مجرد متفرج على صفقة كبرى تُحسم خارج حدودها، بينما تُباع ثروات اليمن ومستقبله في غرف مغلقة بعيدة؟
إن اللعبة قد كشفت كل أوراقها وبات لزاماً على التاريخ أن يدون كيف تحولت الموانئ والمعادن إلى جائزة كبرى لصراع دولي، اليمن فيه هو المائدة، والجميع فيه هم الآكلون.