تستند الدعوات إلى تشكيل لجان طوارئ اقتصادية إلى فرضية تبدو بديهية: أن الأزمة يمكن إدارتها عبر “خبراء تكنوقراط محايدين” يعملون خارج السياسة، ويستندون إلى حسابات اقتصادية خالصة.
غير أن هذه الفكرة تفترض ضمنيًا وجود دولة مستقرة يمكن التعامل معها كجهاز إداري منفصل عن الصراع، بحيث يصبح القرار الاقتصادي مسألة فنية قابلة للإدارة بالأدوات المناسبة.
لكن السؤال الأهم يظهر في مكان آخر:
هل يمكن للخبرة الفنية أن تبقى مستقلة داخل بيئة تتنازع فيها الشرعيات وتتوزع فيها مراكز التأثير؟
في الحالة اليمنية، لا يظهر “الخبير” كفاعل معزول عن الصراع، بل كجزء من بنية سياسية واقتصادية تحدد مسبقًا حدود القرار الممكن، وتفرض على الأدوات الفنية سقفها السياسي قبل أن تتحول إلى سياسات.
المسألة هنا لا تتعلق بقدرة التكنوقراط على إدارة الأزمة فقط، بل بكيفية إنتاج التكنوقراط أنفسهم داخل بنية مشطورة سياسيًا واقتصاديًا.
اللجان هنا ليست خارج السياسة أصلًا؛ إنها إحدى أدواتها الهادئة.
أولًا: عقدة الحياد داخل الجهاز البيروقراطي
تفترض الفكرة التكنوقراطية أن الجهاز البيروقراطي قادر على إنتاج قرار “فني” مستقل عن موازين القوة. لكن هذا الافتراض يفقد تماسكه داخل مؤسسات تتوزع ولاءاتها وتتنازع مرجعياتها.
في اليمن، يعمل صانع القرار المالي أو النقدي داخل شبكة معقدة من التداخل المؤسسي والسياسي، حيث تتقاطع أدوات التأثير مع دوائر النفوذ بصورة تجعل القرار الاقتصادي نفسه جزءًا من معادلة الصراع.
لهذا، لا تقف لجان الطوارئ فوق الانقسام، بل تتحرك داخله. وما يبدو قرارًا فنيًا في ظاهره، يُصاغ عمليًا ضمن المساحة التي تسمح بها القوى القادرة على التعطيل أو التمرير.
الحياد هنا ليس غائبًا فقط،، بل يكاد يصبح غير قابل للتحقق أصلًا.
ثانيًا: اللجنة كساحة صراع موازٍ
في الأنظمة المستقرة، تُستخدم اللجان لتخفيف الاحتكاك المؤسسي وتنظيم القرار. أما في البيئات الهشة، فإنها تتحول تدريجيًا إلى مساحة موازية لإدارة الصراع نفسه.
بدل أن يبقى التنافس محصورًا في الجغرافيا العسكرية أو السياسية، ينتقل إلى أسعار الصرف، وقرارات الاستيراد، وتدفقات النقد الأجنبي، وأولويات التمويل.
هنا، تصبح اللجنة ساحة تفاوض بين شبكات القوة، لا أداة تنسيق محايدة.
السوق في هذه الحالة تفقد قدرتها على إنتاج توقعات مستقرة. ترتفع كلفة المعاملات، وتتسع المضاربة، بينما يصبح الاستثمار الطويل أكثر هشاشة وترددًا.
اللجنة لا تخفف التشظي المؤسسي بقدر ما تعيد تنظيمه داخل إطار أكثر تعقيدًا وأقل شفافية.
ثالثًا: تكنوقراط الحرب وإعادة إنتاج “اقتصاد النفوذ”
داخل اقتصاد الحرب، لا يعمل التكنوقراط كفاعلين مستقلين بالكامل، بل كجزء من شبكة تتحكم بالوصول إلى القرار والموارد والامتيازات.
ويظهر ذلك بوضوح في: الوصول التفضيلي للعملة الأجنبية، والتحكم بأولويات التمويل، والتأثير على القرارات التنظيمية ومسارات السوق.
في هذه البيئة، لا تُقاس الكفاءة الاقتصادية بالإنتاج أو القدرة على خلق القيمة، بل بالقرب من دوائر القرار والقدرة على الحركة داخلها.
تتراجع آليات السوق تدريجيًا لصالح أنشطة ريعية تعتمد على الامتياز المؤسسي أكثر من اعتمادها على التنافس الطبيعي.
المعضلة الحقيقية تظهر عندما تتعارض المصلحة الاقتصادية العامة مع مصلحة الطرف المسيطر على القرار.
هنا يفقد القرار طابعه الاقتصادي، حتى لو استمر في الكلام بلغة تقنية. وعند هذه النقطة، لا تُلغي التكنوقراطية السياسة، بل تمنحها غطاءً أكثر هدوءًا وتنظيمًا.
رابعًا: حدود الحياد في اقتصاد مشطور
يفترض الحياد التكنوقراطي وجود مركز قرار واحد يمنح الاستقلال أو يسحبه. لكن هذا الشرط نفسه يتآكل داخل اقتصاد منقسم ومتعدد المرجعيات.
فالواقع اليمني يقوم على سلطات نقدية متوازية، وشبكات تمويل متنافسة، ومؤسسات تتحرك بلا مرجعية حاسمة أو قدرة مركزية مستقرة.
الحياد هنا لا يصبح صعبًا فقط، بل يفقد أساسه المؤسسي أصلًا.
ولهذا، لا يتحرك التكنوقراط كوسطاء محايدين بقدر ما يعملون داخل شبكة معقدة تحدد مسبقًا حدود القرار الممكن، وتفرض على الأدوات الفنية سقفها السياسي، ما يعني أن القرار لا يُصنع في الفراغ.
خامسًا: من وهم الإصلاح إلى إعادة إنتاج الأزمة
أخطر ما في خطاب اللجان التكنوقراطية لا يتعلق بالنوايا، بل بالنتائج التي تنتجها عمليًا داخل اقتصاد متشظٍ. فبدل تحسين الأداء المؤسسي، تؤدي هذه اللجان غالبًا إلى:
• إعادة توزيع السلطة داخل البنية نفسها
• تأجيل الأسئلة البنيوية المرتبطة بطبيعة الانقسام
• إنتاج شرعية تقنية تغطي خللًا سياسيًا قائمًا
ومع الوقت، تتحول القرارات السياسية إلى إجراءات تُقدَّم بلغة فنية، بينما يجري استخدام التقنية كأداة لإعادة تنظيم النفوذ داخل الاقتصاد نفسه.
اللجنة هنا لا تصبح أداة لتجاوز الأزمة، بل جزءًا من الآلية التي تمنحها شكلًا أكثر انتظامًا وقدرة على الاستمرار.
خاتمة:
المشكلة لا تكمن في نقص الخبرة الفنية، بل في وهم إمكانية فصل الاقتصاد عن السياسة داخل بيئة منقسمة.
فالبحث عن “تكنوقراط محايدين” داخل لجان الطوارئ لا ينتج حيادًا فعليًا، بل يعيد إنتاج توازنات القوة نفسها بغطاء تقني أكثر تنظيمًا.
ولهذا، لا يبدو الحل في استبدال لجنة بأخرى، بل في تقليص مساحة تحويل القرار الاقتصادي إلى أداة نفوذ.
ويتحقق ذلك عبر ثلاث ركائز مترابطة:
أولًا: نقل مركز الثقل من الأشخاص إلى القواعد، بحيث تُدار الملفات الاقتصادية وفق قواعد واضحة ومستقرة لا عبر تقديرات استثنائية متغيرة.
ثانيًا: تقليص مركزية القرار عبر توزيع الصلاحيات داخل إطار مؤسسي يمنع الاحتكار ويحد من إعادة إنتاج النفوذ.
ثالثًا: مأسسة الشفافية بوصفها بديلًا عمليًا عن وهم الحياد، من خلال إتاحة البيانات المالية والنقدية بصورة منتظمة وقابلة للمراجعة.
فالاقتصاد في البيئات المنقسمة لا يتحرر من السياسة؛ بل يُدار من داخلها. ففي الاقتصادات المشطورة، لا تنهي اللجان الأزمة غالبًا، بل تمنحها شكلًا مؤسسيًا أكثر قدرة على البقاء.