في مدينة تعز، حيث يتقاسم الناس الحصار والجوع، أُضيف فصل جديد من القهر إلى سجلاتها المثقلة بالمواجع. صفية... الطفلة التي لم يكن ذنبها سوى أن والدها رجلٌ أضناه الفقر، فارقت الحياة في حضن والدها أمام باب "العناية المركزة".
ليس لأن الطب عجز عن علاجها.
بل لأن جيب والدها عجز عن دفع ثمن إنقاذها.
ست ساعات من النزيف النفسي
منذ العاشرة صباحاً، وجسد صفية النحيل يذبل تحت وطأة المرض الذي نهش قواها. ست ساعات قضاها والدها في ممرات أحد مستشفيات المدينة، يتنقل بين توسل الإدارة واستجداء الكوادر، بينما كانت الطفلة تصارع للبقاء.
وبدلاً من الاستجابة الطارئة، قوبلت صرخات الأب ببرود "اللوائح المالية"، التي اشترطت دفع فاتورة الدخول قبل فتح باب غرفة العناية.
وكأن الروح البشرية باتت رهينة... تنتظر سداد ثمنها سلفاً.
أهكذا مصير أبنائنا في تعز؟
بخطى مثقلة بالانكسار، كان والد صفية يرى فلذة كبده تموت ببطء أمام عينيه. امتلأ المكان بالذهول والخوف، ولم تكن دموع الأب وحدها الحاضرة، بل نظرات المارة والمرضى الذين تسمروا أمام مشهد يختصر رعب العيش في تعز:
"أهكذا مصير أبنائنا؟"
لقد كانت صفية تموت، ليس بسبب انعدام الدواء، بل بسبب انعدام الإنسانية في مؤسسة طبية غلّبت حسابات الربح على قدسية الحياة.
الوداع الأخير في "موطن العجز"
تحت وطأة التقاعس، والد صفية يعدّ الساعات والدقائق، يراقب شحوب وجه ابنته وضيق أنفاسها، وهو يدرك تماماً أنه لا يملك "ثمن نجاتها".
وفي لحظة قاهرة، توقف ذلك الجسد الصغير عن المقاومة.
سلمت صفية الروح في حضن والدها.
وجد نفسه وحيداً أمام جثة هامدة وقهر لا تسعه الكلمات. هكذا سكنت أنفاس صفية في حضن والدها الذي لم يملك حولاً ولا قوة.
خرج بها من المستشفى، لا كطفلة متعافية، بل كجثة تشكو إلى الله قلة حيلة والدها وقسوة قلوب من سلبوها حقها في النفس.
غادر الأب والمشفى والقهر يملأ قلبه، تاركاً خلفه صرخة "حسبنا الله ونعم الوكيل" تتردد في أرجاء مدينة يقتلها الحصار من الخارج... والخذلان من الداخل.
موجة غضب إلكترونية عارمة
ما إن انتشرت صور ومقاطع الفيديو المؤلمة، حتى اجتاحت منصات التواصل الاجتماعي موجة عارمة من الحزن والغضب.
أطلق ناشطون وحقوقيون حملات تضامن واسعة، معتبرين أن ما حدث يمثل "جريمة مكتملة الأركان" بحق الطفولة والفقراء. وتعالَت الأصوات المطالبة بإقالة ومحاسبة المسؤولين، ووضع حد لـ"خصخصة" الخدمات الطبية في المستشفيات الحكومية التي يُفترض أن تخدم المواطن البسيط.
بيان رسمي.. هل يُعيد صفية؟
في المقابل، أصدر مكتب الصحة بالمحافظة بياناً أعلن فيه تشكيل لجنة تحقيق عاجلة للوقوف على ملابسات الواقعة، مشدداً على أن رفض الحالات الطارئة بسبب الرسوم يُعد مخالفة جسيمة ستعرض مرتكبيها للملاحقة القانونية.
لكن السؤال الذي يبكي في الحناجر:
هل يعيد التحقيق صفية إلى حضن والدها؟ أم سيبقى مجرد "تغطية" تليق بمأساة لا تليق؟
ماتت الطفلة صفية.
ولم تكن تحتاج إلى معجزة... كانت تحتاج فقط إلى ذرة رحمة تتجاوز فاتورة المستشفى.
ماتت وهي تنظر إلى والدها الذي لم يكن يملك من أمره إلا "حسبنا الله ونعم الوكيل".
تفتح هذه المأساة جرحاً غائراً في تعز حول ملف "الاستثمار في أوجاع الناس"، وسط غياب الرقابة الرسمية وانهيار المنظومة الصحية التي باتت تفتح أبوابها فقط...
لمن يملك ثمن الحياة.