عندما غابت المنظمات الكبرى، وتأخرت القوافل الدولية، وتعاظمت البيروقراطية، كان هناك من لا ينتظر الأذونات ولا يأبه بالعوائق. كان هناك من يصل حيث لا يصل غيرهم.
في لحج، حيث تناثرت قذائف الأمس وما زالت الألغام تبتلع الأقدام، جاءت الخلية تحمل أكثر من مجرد غذاء؛ حملت رسالة أن الحياة لا تزال ممكنة.
وفي مأرب، تلك المدينة التي صارت أيقونة الصمود، والتي فتحت ذراعيها لمليوني نازح هربوا من الموت، لم تكن خلية الأعمال مجرد ممول إضافي، بل كانت الشريك الذي يمسح دمعة اليتيم ويجبر كسر الأرملة قبل أن يسد رمق جائع.
وفي عدن، عروس الجنوب التي تعبت من كثرة الحروب، وقفت الخلية بجانب العالقين في الأحياء المحترقة بمياه السيول وبقايا الحرائق، تبني ما تهدم وتلملم شتات من فقد كل شيء.
أما على الساحل الغربي في تعز، حيث الأرض تحترق والبحر يئن، حيث يموت الناس جوعاً ومرضاً وسط أصوات الرصاص، كانت خلية الأعمال الإنسانية تصل إلى هناك؛ تحفر في التراب لتوصل الطحين، وتشق طرقاً وعرية لتقول لمن تخلى عنهم الجميع: "أنتم لستم وحدكم".
وفي الحديدة، تحديداً في مديرية الخوخة وحيس، حيث تداخلت مياه البحر مع دموع النازحين، واشتعلت الحرائق في المخيمات العشوائية، وجرفت السيول آخر ما تبقى من خيم، كانت الخلية هناك أول الواصلين وآخر المغادرين. أخرجت العالقين من تحت الطين، وجففت دموع أطفال فقدوا أباءهم في زحمة الماء والنار.
في كل هذه الأماكن، لم تسأل الخلية عن الهوية، ولم تفرق بين منطقة وأخرى. كان همها الوحيد أن تصل إلى الضعفاء قبل أن يناموا جائعين، وإلى المحاصرين قبل أن يلفظوا أنفاسهم الأخيرة.
قد يختلف السياسيون، وقد تتوقف طائرات الإغاثة عند المطارات تنتظر أذونات لا تنتهي، لكن خلية الأعمال الإنسانية كانت دائماً هناك.. في الحفر والغبار.. تحت المطر وفوق النيران.. في لحج ومأرب وعدن وتَعز والخوخة وحيس. وقفت حين وقف الجميع متفرجين، فكانت فعلاً خلية النحل التي لا تتعب، وضمير الأمة الذي لا يموت.رحِم الله من كان عوناً للضعفاء في وقت تخلى فيه الأقوياء.