آخر تحديث :الإثنين-25 مايو 2026-04:27م

الروح العربية في زمن التفريغ الثقافي

الخميس - 07 مايو 2026 - الساعة 03:21 م
د. جمال الهاشمي

إن أزمة الثقافة العربية اليوم ليست كامنة فقط في ضعف الإنتاج المعرفي أو تراجع أدوات التعليم وإنما في ذلك التحول العميق الذي أصاب جوهر القيم داخل البنية الثقافية ذاتها لأنه لم تعد القيم تتحرك باعتبارها امتدادا عضويا للوعي التاريخي للأمة.

ولكنها غدت في كثير من الأحيان قيما مستوردة أو مفروضة أو معاد تشكيلها ضمن سياق عالمي يسعى إلى إعادة تعريف الإنسان العربي وفق نماذج استهلاكية عابرة للهوية.

ومن هنا تبدو الثقافة العربية وكأنها تعيش لحظة جدلية قاسية بين الإحلال الجديد وتفريغ القيم؛ أي بين استبدال البنية الرمزية القديمة بمنظومات جديدة وبين إفراغ القيم الأصلية من مضمونها التاريخي والأخلاقي وأعرافها المعتبرة.

حتى وإن بقيت حاضرة في الخطاب واللغة والشعارات فإن توجهات دول العالم العربي نحو الانفتاح يبدد تلك القيم لا سيما بعد عقود من التفريغ لها .

إلا أن تفريغها اليوم وبعد فشل الفكر القومي عاد بصورة مخيفة من خلال توظيف أفكار الأسلمة .

أي عبر توظيف دين الفهم في صراع محتدم ضد فهم الدين .

وهو صراع تلظى بين معتقدات التدين وأصولية الدين وقد ساهم في انتشار الوظيفة الدينية عاطفة الإيمان .

أي الإيمان المجرد من الوعي المهيمن على الساحة الاجتماعية حيث يختزل الإيمان في المظاهر الشكلية.

بمعنى آخر أن غياب تأثير القراءة الواعية في مقابل استماع التأثيرات العابرة .

والذي أقصده انتقال التمثيل عن بيئته الضيقة ليهيمن على الثقافة العامة .

لقد أدرك هيجل أن روح الأمم لا تموت دفعة واحدة وإنما تتآكل عندما تنفصل الفكرة عن التاريخ وعندما تفقد الذات قدرتها على رؤية نفسها في مرآة العالم.

وقد بدأ هذا الفصل بالتحول القومي العربي ونشوء جامعة الدول العربية بمرسوم بريطاني وثقافة قطرية كما تشكل مؤتمرات ومنظمات المؤتمر الإسلامي عبر حوار الأديان ومباركة غربية .

من حركة قومية ترى من الإسلام عنصرا ثقافيا إلى حركات الأسلمة والتي أصبح فيها الإسلام غطاء وظيفيا .

واستحضر إشكالية علي شريعتي في وصفه للحالة الإيرانية ؛ دين ضد الدين .

أي تعدد الأديان الوظائفية في مواجهة مبادئ الدين الأصولية .


إن الثقافة العربية تعيش هذا الانفصال بصورة مركبة؛ فهي من جهة ما تزال تتحدث بلغة الأصالة والتراث والهوية وهذا الحديث يقودها الى التطرف والعنف والغيرة لأنه مبني على العادة والعاطفة وليس على الفقه والشريعة، و من جهة أخرى تتحرك عمليا داخل منظومات اقتصادية وإعلامية وتربوية أعادت تشكيل الوعي العربي على أسس جديدة من خلال نظرية الانفتاح المتقزم والتحضر المتأخر.

وهذه لا ترى الإنسان كائنا تاريخيا وأخلاقيا بقدر ما تراه فردا استهلاكيا معزولا عن ذاكرته الجماعية.

أي فكرة الجسد المنحط في ماديته الحداثية وأعني هنا قابلية هذا الجسد الفردي والمجتمعي لاستفراق القيم ولفظها.

بحيث لا يتحرك الوعي وإنما تتحرك العاطفة بالمؤثرات الرقمية والتعبئة الرهطية ؛ واقصد بالتعبئة الرهطية ممارسة الإفساد من خلال فكرة الإنقاذ وهو نموذج يتميز بقابلية المجتمعات الصامتة وهو الحياد السلبي واقصد به حياد يميل نحو فكرة الفساد بحيث يتحول من انحرافات فردية إلى تشكيلات اجتماعية.

فساد ترويض الاستحياء ليأخذ بعد ثقافيا وفنيا وهذه القابلية تقاس عبر متابعة العامة للتفاهة والانحرافات وفكرة التجديد الحداثية التي تفصل الفرد عن قيمه وتاريخه وحتى واقعه.

وهنا يعيش الفرد في واقع وهمي يقوده إلى الانحطاط ليس من خارج الدين وإنما بأدواته وافهامه التي يحركها الجسد.

والخطورة هنا تكمن في أن يصبح الجسد هو المرجع الأساس لفهم الدين والمصدر الأساس للتشريع .

إن أخطر ما تواجهه الثقافة العربية ليس الغزو الخارجي في صورته التقليدية وإنما ذلك التحول الذاتي الذي يجعل الإنسان يتخلى طوعا عن منظومته الرمزية وليس بفعل القسر المباشر وإنما بفعل الإغراء والتطبيع التدريجي مع أنماط جديدة من الحياة ومظاهر المعاني الجسدية حيث تشتعل الرغبة ولا تنطفئ.

وهنا تظهر قيم الإحلال بوصفها عملية هادئة تستبدل المرجعيات القديمة بأخرى حديثة دون إعلان صريح عن القطيعة فتتحول، الحرية من مسؤولية أخلاقية إلى تحرر استهلاكي تقوده رغائب الجسد لكن من خلال طمس مساءلة الضمير وخارج إطار حركة الوعي وبعيد عن فلسفة النقد الباني.

وبذلك يتحول التقدم من مشروع حضاري تؤسسه القيم الذاتية إلى استنساخ حضاري يقوم على محاكاة النموذج الغربي في الشكل، بينما يجري اختزال الهوية في بعدها الفلكلوري أو المناسباتي.

غير أن تفريغ القيم يبدو أكثر خطورة من الإحلال ذاته لأن القيمة عندما تفقد قيمتها تتحول إلى ظاهرة لغوية تحرك الجسد بعيدا عن الروح .

فالعدالة تبقى متداولة في الخطاب السياسي لكنها تفقد مضمونها أمام اتساع الفوارق الاجتماعية.

والكرامة تتحول إلى شعار بينما يعيش الفرد العربي في كثير من الأحيان تحت أنظمة القهر أو التبعية الاقتصادية أو الإذلال الرمزي.

أما الدين ذاته فيتعرض أحيانا لعملية اختزال تجعله إما أداة صراع سياسي أو ظاهرة لطقوس منفصلة عن بعدها الحضاري والأخلاقي.

وفي هذا السياق يصبح الإعلام الحديث وإعلام التواصل الاجتماعي التافه أحد أهم أدوات إعادة تشكيل الوعي فلم يعد دوره مركزا على نقل المعرفة وإنما إنتاج الإنسان القابل للاستهلاك الثقافي السريع والقابل لتلبية دعوات الجسد على أنها ثقة بالذات وقوة في الشخصية بمعنى آخر تحرره الماجن من أي رقابة ذاتية تفرضها القيم ومن أي رقابة خارجية يفرضه المجتمع ومن أية رقابة قانونية تفرضها الشرائع .

إن الصورة بهذا المنظور أصبحت أكثر سلطة من الفكرة، والانفعال أكثر حضورا من التأمل، والسرعة أكثر قيمة من العمق.

وهكذا تنشأ أجيال تعيش داخل تدفق هائل من المعلومات لكنها تعاني فقرا حقيقيا في المعارف العقلية والقيمية والحضارية فتفقد الثقافة وظيفتها بوصفها وعيا نقديا بالتاريخ والوجود.

إن هيجل كان يرى أن التاريخ يتحرك عبر صراع الوعي مع ذاته وأن الأمم التي تفقد قدرتها على إنتاج الفكرة تصبح على الهامش في حركة التاريخ العالمي.

ومن هذا المنظور فإن أزمة الثقافة العربية ليست أزمة تراث أو حداثة بالمعنى الظاهر .

إن الأزمة أزمة وعي تاريخي فقد القدرة على تحويل التراث إلى قوة حية و حضارة رشيدة كما فقد القدرة على استيعاب الحداثة دون الذوبان داخلها.

ولذلك تبدو الثقافة العربية معلقة بين ماض لا تستطيع استعادته بالكامل وحاضر لا تملك شروط السيطرة عليه.

ومع ذلك فإن الجدل الفلسفي يعلمنا أن التناقض ليس نهاية التاريخ وإنما هو بداية لتشكله الجديد.

وكل تفلت يعقبه تشدد وكل تسيب يستدركه تطرف و انكسار يقود إلى البحث عن الذات من خلال المقاومة التي تقود وعي الثورة والقيم والفضيلة وليست الثورة التي تحركها العاطفة والجسد و الرذيلة .

إن كل انحطاط يولد ابتعاثا في داخله إمكانية التحاوز .

وربما أن الحاجة اليوم ليست من خلال خطاب بكائي على ضياع الهوية ولا انغلاق عدائي ضد العالم وإنما نحتاج إلى إعادة بناء العقل الثقافي العربي على أساس نقدي يستعيد القيم بوصفها فعلا تاريخيا حيا وليس شعار وظيفيا.

إن الثقافة التي لا تنتج رؤيتها الخاصة للعالم تتحول إلى ثقافة مستهلكة لصور الآخرين التي تعبر عن أنفسهم.

ولهذا فإن معركة الثقافة العربية الحقيقية ليست مع الحداثة في ذاتها وإنما مع ذلك الفراغ الداخلي الذي يسمح لأي نموذج خارجي بأن يحتل فراغها.

إن الأمم لا تسقط حين تهزم عسكريا وإنما حين تفقد إيمانها بذاتها بوصفها فاعلا تاريخيا قادرا على إنتاج القيم والمعرفة والغاية.

وفي اللحظة التي تستعيد فيها الثقافة العربية قدرتها على تحويل ذاكرتها إلى وعي وتراثها إلى حركة وإنسانها إلى ذات حرة حينها فقط تدرك موقعها في التاريخ.

إنها ستكون قد تجاوزت مأزق الإحلال وتفريغ القيم معا لتدخل مجددا في صيرورة التاريخ ليس باعتبارها موضوعا له ولكن باعتبارها أحد صانعيه .

إن التاريخ رحمة ولعنة وعبر مصفاة العقل والنص يتجدد الطهر والعدل والقيم والحضارة .