آخر تحديث :الإثنين-25 مايو 2026-02:43م

الوقود كسعر مرجعي: كيف يُعاد تسعير الاقتصاد في عدن؟

الإثنين - 20 أبريل 2026 - الساعة 05:26 م
نايف حمود العزي

حين لا يكون الوقود مجرد سلعة، بل عاملًا يعيد تحديد تكلفة كل نشاط اقتصادي، تصبح الأسعار انعكاسًا للطاقة لا للسوق.


مدخل


في عدن، لا يُقاس أثر الوقود بسعره المباشر، بل بقدرته على إعادة تشكيل كلفة كل نشاط اقتصادي تقريبًا. فالوقود ليس سلعة نهائية ضمن سلة الاستهلاك، بل مدخل إنتاج وتشغيل يمر عبره جزء كبير من الاقتصاد، من النقل إلى الكهرباء إلى سلاسل الإمداد.


بهذا المعنى، لا يعمل الوقود كعنصر ضمن السوق، بل كعامل يحدد قواعد عمل السوق نفسها. وعندما يرتفع أو يختل تدفقه، لا تظهر الأزمة في محطات الوقود فقط، بل في الأسعار، وفي هيكل التكلفة، وفي سلوك السوق بأكمله.


من هنا، لا يكون السؤال: كم يبلغ سعر الوقود؟


بل: كيف يعيد الوقود تعريف تكلفة الاقتصاد في عدن؟




أولًا: الوقود كسعر مرجعي غير معلن


في الاقتصادات المستقرة، تتشكل الأسعار عبر توازن العرض والطلب ضمن بيئة تكلفة مستقرة نسبيًا. أما في عدن، فقد تحوّل الوقود إلى ما يشبه “السعر المرجعي غير المعلن”، الذي تُبنى عليه معظم قرارات التسعير.


فارتفاع تكلفة الوقود لا يقتصر أثره على النقل، بل يتوزع بشكل غير خطي ليفرض زيادة عامة في تكاليف التشغيل عبر مفاصل الاقتصاد. ومع ضعف الكهرباء العامة، يتحول الوقود إلى مصدر طاقة بديل، ما يعني أن كلفته تدخل أيضًا في الإنتاج والتخزين والخدمات.


ولتوضيح ذلك بشكل مبسط، إذا افترضنا أن تكلفة نقل طن من الدقيق إلى عدن كانت تعادل 50 دولارًا عندما كان سعر الوقود منخفضًا، فإن ارتفاعه قد يرفع هذه التكلفة إلى 80 أو 100 دولار. هذه الزيادة لا تُضاف مرة واحدة، بل تُحمَّل على مراحل متتابعة: في النقل، ثم في تشغيل المخبز عبر المولدات، ثم في توزيع الخبز إلى نقاط البيع. وبذلك، قد تنعكس زيادة أولية بنحو 30–50 دولارًا في كلفة النقل إلى ارتفاع أكبر في السعر النهائي، نتيجة تراكم كلفة الوقود عبر سلسلة الإنتاج والتوزيع.


وعندما يصبح الوقود غير مستقر السعر أو التوفر، تفقد الأسعار مرجعيتها التقليدية، وتتحول إلى انعكاس مباشر لمستوى المخاطر المرتبطة بتكلفة الطاقة.




ثانيًا: تشوه سلسلة القيمة—من الكلفة إلى التسعير بالمخاطر


لا تصل كلفة الوقود إلى السوق كرقم واحد، بل كمسار يتضخم على طول سلسلة التوزيع. فبين الاستيراد والاستهلاك، تمر السلعة عبر مستويات متعددة من النقل والتخزين وإعادة البيع، حيث يُعاد تحميل الكلفة في كل مرحلة تحت تأثير عدم اليقين.


لا تنتقل الكلفة كما هي، بل تتدحرج ككرة ثلج؛ تبدأ بزيادة محدودة في الوقود، ثم تتضخم عبر حلقات سلسلة القيمة مع كل إعادة تسعير.


في هذه البيئة، لا يسعّر التاجر بناءً على الكلفة الحالية فقط، بل على الكلفة المتوقعة واحتمالات الانقطاع أو الارتفاع. وبذلك، يتحول الوقود من عنصر تكلفة إلى مُدخل في معادلة المخاطر التي تحدد السعر النهائي.


وتزداد هذه التشوهات عمقًا مع وجود فجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق. فبينما تُعلن الجهات الرسمية سعرًا للوقود بناءً على كلفة الاستيراد، لا يصل هذا السعر إلى السوق كما هو، بل يمر عبر شبكة من الوسطاء وقنوات التوزيع التي تعيد تسعيره في كل مرحلة. وبهذا، لا يصبح الوقود سلعة ذات سعر محدد، بل تكلفة متحركة تُعاد صياغتها وفق بيئة السوق.


النتيجة أن السوق لا يعكس الكلفة الفعلية بقدر ما يعكس “توقعات الكلفة”، وهو ما يخلق فجوة دائمة بين أي تحسن مؤقت في المؤشرات وبين استجابة الأسعار.




ثالثًا: الوقود والطاقة—مضاعفة الأثر الاقتصادي


يتجاوز أثر الوقود النقل ليصل إلى الطاقة، حيث يصبح غيابه أو ارتفاعه سببًا مباشرًا لزيادة كلفة الكهرباء خارج الشبكة العامة. ومع اعتماد واسع على المولدات، تتحول الطاقة إلى بند تكلفة مرتفع ومستمر.


هذه الكلفة لا تُمتص داخل النشاط الاقتصادي، بل تُنقل إلى المستهلك، ما يجعل الوقود يعمل كمضاعف للتكلفة. فكل زيادة فيه لا تُضاف مرة واحدة، بل تتكرر عبر مراحل متعددة من الإنتاج والتوزيع.


وبذلك، لا يكون تأثيره محصورًا، بل تراكميًا، يرفع مستوى الأسعار بشكل أوسع من حجمه المباشر.




رابعًا: الوقود وسعر الصرف (EX)—قناة الضغط المستمر


يمثل استيراد الوقود أحد أكبر مصادر الطلب على العملة الأجنبية. ومع كل شحنة، يتولد طلب إضافي على النقد الأجنبي، لا يقابله دائمًا عرض كافٍ، خاصة في اقتصاد محدود الموارد الخارجية.


هذا الطلب لا يبقى داخل قطاع الوقود، بل ينتقل إلى سوق الصرف، حيث يضغط على العملة المحلية، فيرتفع سعر الصرف (EX). ومن ثم، تعود هذه الزيادة إلى السوق في شكل تضخم جديد عبر كلفة الاستيراد.


بهذا المعنى، لا يعمل الوقود فقط عبر قناة الأسعار، بل عبر قناة نقدية تعيد إنتاج التضخم. وهنا، يصبح قطاع الوقود جزءًا من بنية الاختلال النقدي، لا مجرد قطاع استهلاكي.




خامسًا: الوقود كآلية لإعادة توزيع الكلفة


في غياب نظام ضريبي فعال، يتحول الوقود إلى آلية لإعادة توزيع الكلفة داخل الاقتصاد. فكل زيادة فيه تُحمّل على السلع والخدمات، وتنتقل في النهاية إلى المستهلك.


لكن هذه “الضريبة” تختلف عن الضرائب التقليدية؛ فهي غير معلنة، وغير متدرجة، ولا ترتبط بالدخل، بل تُفرض عبر الأسعار. وبذلك، يصبح الوقود قناة لنقل الكلفة من نقاط الاختلال في الاقتصاد إلى المجتمع ككل.




خاتمة تحليلية


في عدن، لا يمكن فهم التضخم أو استقرار السوق دون فهم موقع الوقود داخل الاقتصاد. فهو لا يحدد كلفة النقل فقط، بل يعيد تشكيل العلاقة بين الكلفة والسعر، وبين السوق والنقد.


ولهذا، فإن أي قراءة للأزمة الاقتصادية تتجاهل دور الوقود، ستبقى قراءة جزئية، لأنها تغفل أحد أهم المحركات البنيوية للتكلفة.




ما الذي يمكن فعله؟ (إطار تدخل واقعي)


معالجة أثر الوقود لا تبدأ بخفض سعره فقط، بل بتقليص القنوات التي تضخم كلفته داخل الاقتصاد.


يتطلب ذلك تقليل عدد نقاط إعادة التسعير بين الميناء والمستهلك، بحيث لا تتحول كل مرحلة في سلسلة التوزيع إلى مركز مستقل لإضافة الكلفة. كما أن تحسين كفاءة النقل والتخزين يقلل من تكرار الأثر التراكمي الذي يرفع السعر النهائي.


وفي جانب الطاقة، فإن استقرار إمدادات الكهرباء العامة يخفف اعتماد السوق على الوقود مرتفع الكلفة كمصدر بديل، وهو ما يحد من انتقال أثره إلى الأسعار.


أما على المستوى النقدي، فلا يمكن فصل استقرار سعر الصرف عن إدارة تدفقات العملة الأجنبية الموجهة لاستيراد الوقود، باعتباره أحد أكبر مصادر الطلب عليها.


وبذلك، لا يكون التدخل الفعّال في “سعر الوقود” ذاته، بل في البيئة التي تتحول فيها كلفته إلى تضخم عام داخل الاقتصاد.


وفي هذا السياق، لا يمكن فصل أي مسار للإصلاح النقدي عن إصلاح قطاع الطاقة، إذ إن استقرار سعر الصرف يظل هشًا ما لم تُضبط قنوات الطلب على العملة الأجنبية المرتبطة بالوقود. وبالمقابل، فإن أي تحسين في إدارة قطاع الطاقة سيظل محدود الأثر ما لم يُدعَم بإطار نقدي قادر على استيعاب هذه التحولات.