في حياتنا اليومية، كثيرًا ما نقف عند محطات صغيرة لا تستحق الوقوف، ونُعطيها من وقتنا واهتمامنا أكثر مما تستحق، حتى تتحول إلى عبء يثقل مسيرتنا ويعيق تقدمنا، وهنا يحضر المثل الشعبي العميق "لو همّينا العصافير ما ذرّينا الدخن".
هذا المثل الشعبي يختصر فلسفة كاملة في التعامل مع النقد والضجيج والاعتراضات التي تحيط بكل ناجح، فالعصافير ستظل تحوم حولك، تُصدر أصواتها، وربما تحاول أن تقتات على ما تزرع، لكن إن توقفت عند كل حركة لها، فلن تُنجز شيئًا، وانا قد سبق لي أن تناولتُ هذا العنوان قبل عامين، واليوم أعود إليه من جديد، ولكن برؤية مختلفة، لأن “العصافير” لم تعد كما كانت من قبل؛ فقد تعددت وتنوعت، وكثر ضجيجها، وإن بقيت على حالها من حيث الحجم والتأثير.
فالواقع يؤكد أن العصفور يظل عصفورًا صغيرًا وضعيفًا، مهما حاول أن يُضخم من نفسه، أو يُقنع الآخرين بغير ذلك، وفي المقابل، هناك صقور ونسور اعتادت التحليق عاليًا في السماء، بلغت مكانتها بجهدٍ وتراكمٍ وخبرة، لا بمجرد ضجيج أو محاولات لفت الانتباه.
لهذا تحاول بعض هذه العصافير، بشتى الطرق، أن تصل إلى مكانة تلك الصقور والنسور، وأن تُحلق في فضائها، لكنها تغفل عن حقيقة بسيطة، وهي أن لكلٍ مقامه، وأن التحليق العالي لا يُنال بالتقليد أو الضجيج، بل بالعمل المتواصل والتجربة العميقة، ومهما اشتد زقزقة تلك العصافير، فلن تبلغ عظمة الصقور، لأن الكبير لا يلتفت إلى الصغير، ولا يُشغل نفسه بزغزغاته، فالقيمة الحقيقية تُفرض بالفعل، لا بالصوت.
إن المشكلة ليست في وجود "العصافير"، بل في انشغالنا بها، فحين ننشغل بالرد على كل كلمة، أو الدفاع عن كل موقف، أو تبرير كل خطوة، نستهلك طاقتنا فيما لا يُفيد، ونترك ما ينفع، ولعل أخطر ما في الأمر أن بعض الناس يجعل من هذه "العصافير" مقياسًا لقراراته، فيتردد، ويتراجع، ويُحجم عن المبادرة خوفًا من النقد أو التشكيك، وهنا تكون الخسارة مضاعفة، لا أنه أنجز، ولا أنه سَلِمت من الكلام.
إن الحكمة تقتضي أن نُحسن التمييز بين النقد البنّاء الذي يُطوّرنا، وبين الضجيج الذي يُربكنا، فالأول نأخذه بعين الاعتبار، أما الثاني فمكانه التجاهل، في النهاية، الحياة لا تنتظر المترددين، ولا تُكافئ المنشغلين بالهوامش، ومن أراد أن يصل، فليُكمل طريقه، وليدع العصافير تُغرّد كما تشاء، وهكذا أخذنا هذا المثل من موروثنا الشعبي عن آبائنا وأجدادنا، وتربينا على معناه العميق، وألا نلتفت إلى الصغائر، وألا نُعطي الضجيج أكبر من حجمه، لأن العصافير ستبقى عصافير، وستظل بحاجة إلى الكثير من العمل المتواصل لتصل—إن استطاعت—إلى ما وصل إليه غيرها.
ودمتم سالمين..