آخر تحديث :الثلاثاء-24 مارس 2026-10:24م

الدولة بين ضرورات الاستقرار ومتطلبات التحول المدني

الثلاثاء - 24 مارس 2026 - الساعة 03:26 م
احمد محمود السلامي

بقلم: احمد محمود السلامي
- ارشيف الكاتب


✒️ أحمد محمود السلامي


لا يمكن للمرء أن يتوقع قيام دولة حديثة ومستقرة على أيدي من يتكلم بلغة السلاح وحدها، أو عبر مقاربات تبتعد عن العقل والعلم والمنطق بوصفها أدوات أساسية لإدارة المجتمعات المعاصرة. فالدولة الحديثة ليست مجرد سلطة تُفرض، بل مشروعٌ تراكمي يقوم على المؤسسات، وسيادة القانون، والتوافق الوطني، واحترام الإنسان باعتباره مواطناً شريكاً في صناعة المستقبل.

حين يتقدم العسكر إلى واجهة المشهد السياسي، يحدث ذلك غالباً في سياقات استثنائية تفرضها تحديات أمنية أو لحظات اضطراب تاريخية. وقد تسهم المؤسسة العسكرية أحياناً في حفظ الاستقرار ومنع الانهيار، غير أن طبيعة دورها تبقى مرتبطة أساساً بحماية الدولة لا بإدارة الحياة السياسية بكل تعقيداتها. فإدارة التنوع الاجتماعي والاقتصادي والثقافي تتطلب أدوات مدنية تقوم على الحوار والتعددية والتخطيط طويل المدى، وهي مجالات تختلف بطبيعتها عن منطق الحسم العسكري.

وبالمثل، تلعب الوجاهات الاجتماعية والتقليدية أدواراً مهمة في حفظ التماسك المجتمعي وتسوية النزاعات المحلية وتعزيز القيم الاجتماعية، خصوصاً في المجتمعات التي تمتلك إرثاً تراثياً عميقاً. غير أن انتقال هذا الدور من المجال الاجتماعي إلى مركز القرار السياسي قد يخلق تحديات تتعلق بمفهوم المواطنة المتساوية، حيث تصبح الاعتبارات الاجتماعية أو الرمزية أحياناً متقدمة على المعايير المؤسسية والقانونية.

الإشكالية، إذن، لا تكمن في وجود العسكر أو الوجاهات، فهما جزء من النسيج الوطني ولهما أدوار لا يمكن إنكارها، بل في طبيعة العلاقة بين هذه القوى وبين الدولة المدنية الحديثة. فالدولة المعاصرة تحتاج إلى توازن دقيق يتيح لكل فاعل أداء دوره ضمن إطار دستوري واضح، بحيث تبقى المؤسسات هي المرجعية العليا، ويظل القانون هو الحكم بين الجميع.

إن بناء دولة حديثة يتطلب إدارة قائمة على المعرفة، واقتصاداً منتجاً، ونظاماً تعليمياً يعزز التفكير النقدي المعرفي ، وقضاءً مستقلاً يرسخ الثقة العامة. وهذه العناصر لا تنمو إلا في بيئة تسمح بالنقاش المسؤول، وتقبل المراجعة، وتؤمن بأن الاستقرار الحقيقي لا يتحقق فقط عبر ضبط الواقع، بل عبر تطويره بصورة مستمرة.

وقد تُظهر بعض التجارب نجاحات مرحلية في تحقيق الاستقرار عبر مزيج من القوة أو النفوذ الاجتماعي، إلا أن الاستدامة تبقى مرهونة بمدى قدرة النظام السياسي على التحول نحو المشاركة الواسعة والحوكمة الرشيدة. فالدولة التي تبني شرعيتها على التوافق والعدالة تكون أكثر قدرة على مواجهة الأزمات وأقل عرضة لدورات الصراع.

ومن هنا، فإن الطريق نحو الدولة الحديثة لا يمر بإقصاء أي مكوّن وطني، بل بإعادة تعريف الأدوار ضمن عقد اجتماعي جامع يوازن بين الخبرة الأمنية، والرمزية الاجتماعية، والكفاءة المؤسسية. فحين يصبح العلم مرجعاً، والمؤسسات إطاراً منظماً، والمواطنة أساس العلاقة بين الدولة والمجتمع، يمكن حينها الحديث عن مشروع دولة قادر على الاستمرار والنمو.