آخر تحديث :الخميس-05 مارس 2026-11:53م

على فوهة الطائفية.. هل تعاد صياغة خرائط المنطقة بالدم أم بالعقل؟

الخميس - 05 مارس 2026 - الساعة 07:38 م
د. أحمد الشاعر باسردة

بقلم: د. أحمد الشاعر باسردة
- ارشيف الكاتب


أ. د. أحمد الشاعر باسردة


الحديث عن سيناريو حرب سنية–شيعية شاملة تعيد رسم خرائط المنطقة يعكس حالة قلق عميقة تعيشها المجتمعات العربية منذ عقود، لكنه يحتاج إلى قراءة هادئة تتجاوز منطق المؤامرة المباشرة إلى تحليل تداخل العوامل الداخلية والخارجية معًا. صحيح أن سياسات قوى كبرى مثل الولايات المتحدة أو أطراف إقليمية بينها إسرائيل تؤثر في موازين القوى، وصحيح أن المنطقة شهدت تدخلات وصراعات بالوكالة، لكن اختزال المشهد في إعداد متعمد لحرب طائفية كبرى يتجاهل تعقيد البنية الاجتماعية والسياسية والاقتصادية للدول المعنية.


الانقسام السني–الشيعي موجود تاريخيًا، لكنه لم يكن عبر القرون العامل الوحيد أو حتى الرئيسي في تشكيل الدول أو إسقاطها. ما حوّل هذا الانقسام إلى أداة صراع خلال العقود الأخيرة هو هشاشة الدولة الوطنية، وغياب العدالة السياسية، وتغوّل الفساد، وتنافس النخب على السلطة والثروة. في العراق مثلًا، لم يكن الانقسام الطائفي وحده سبب التفكك، بل تداخل الاحتلال، وضعف مؤسسات الدولة، وانتشار السلاح خارجها، والصراع على الموارد النفطية. لذلك فإن احتمال تحوله إلى أربع دول ليس نتيجة حتمية لصراع مذهبي بقدر ما هو سيناريو يرتبط بمستوى التوافق الداخلي، وبقدرة القوى السياسية على بناء عقد اجتماعي جديد.


أما في البحرين، فالجغرافيا الصغيرة والتركيبة السكانية المختلطة تجعلان فكرة الانقسام إلى دولتين شديدة التعقيد عمليًا، لأن الاقتصاد والبنية التحتية والمجال الاجتماعي متداخل بصورة يصعب فصلها دون كلفة هائلة. التفكيك في دول صغيرة عادة ما يكون أكثر تكلفة من الحفاظ على كيان موحد مع إصلاح سياسي شامل. التجارب العالمية تشير إلى أن الانقسام لا يحدث فقط بسبب اختلاف مذهبي، بل عندما تتوافر قيادة سياسية تتبنى مشروع الانفصال، ودعم إقليمي أو دولي صريح، وبيئة أمنية تسمح بذلك.


في اليمن، الصورة أكثر تعقيدًا، لأن الصراع فيه يحمل أبعادًا مناطقية وقبلية وسياسية واقتصادية إلى جانب البعد المذهبي. الحديث عن انحسار الدولة في حرب إضافية “بمسميات أخرى” ممكن نظريًا إذا استمرت أسباب الصراع البنيوية دون معالجة، لكن الاتجاه أيضًا يمكن أن يسير نحو تسوية تدريجية تفرضها الإرهاقات العسكرية والضغوط الاقتصادية. أما عدن، ففكرة وضعها في إطار حماية أو وضع خاص ترتبط بأهميتها الاستراتيجية كميناء وبموقعها البحري، لكن تحويلها إلى كيان “محمي” يتطلب توافقًا داخليًا أولًا قبل أي مظلة دولية، لأن أي ترتيبات مفروضة من الخارج دون قبول محلي غالبًا ما تولّد صراعًا جديدًا بدل أن تمنع صراعًا قائمًا.


إعادة رسم الخرائط الجيوسياسية ليست أمرًا مستحيلًا تاريخيًا، لكنها نادرًا ما تتم وفق مخطط نظري مسبق. غالبًا ما تأتي نتيجة تراكمات: انهيار اقتصادي، صراع مسلح طويل، وهذ موجود تدخلات خارجية، وتحولات في ميزان القوى الإقليمي. القوى الدولية قد تستفيد من التفكك أحيانًا، لكنها أيضًا تخشى الفوضى غير المنضبطة التي تهدد المصالح الاقتصادية وممرات الطاقة والملاحة. لذلك تميل هذه القوى إلى إدارة الأزمات أكثر من إشعال حرائق شاملة لا يمكن ضبطها والمرشح دولة سنية في الجنوب دون رتوش.


فكرة “حرب داحس والغبراء” جديدة بمسميات حديثة تعكس خوفًا من صراع طويل يستنزف الجميع. لكن الواقع يظهر أن المجتمعات، رغم الاستقطاب، لا تتحرك دائمًا وفق خطوط مذهبية صافية. المصالح الاقتصادية، والهجرة، والتعليم، والروابط العائلية العابرة للطوائف، كلها عوامل تكبح الانزلاق الكامل نحو حرب أهلية شاملة في معظم الدول. حتى في أشد لحظات التوتر، تبقى هناك مساحات مشتركة لا يمكن تجاهلها.


السيناريوهات المستقبلية للمنطقة مفتوحة على احتمالات متعددة: مزيد من التفكك، أو إعادة تموضع داخل الحدود القائمة عبر صيغ فيدرالية أو لا مركزية، أو عودة تدريجية لفكرة الدولة الوطنية الجامعة. الحسم لا يتوقف فقط على خطط خارجية، بل على قرارات داخلية: هل تختار النخب خطاب التعبئة الطائفية أم مشروع المواطنة؟ هل تُدار الموارد بشفافية أم تُحتكر؟ هل يُفتح المجال السياسي أم يُغلق؟


التحليل الواقعي لا ينفي وجود صراعات نفوذ، لكنه يرفض الحتمية. المنطقة ليست قدرًا مكتوبًا لحرب مذهبية شاملة، كما أنها ليست محصنة تلقائيًا من التفكك. المسار سيتحدد بميزان دقيق بين عوامل التفجير وعوامل الاحتواء، وبين إرادة الصراع وإرادة التسوية والخلاصة أن التسوية القادمة في الجنوب مرضية لسكانها.


*رئيس تجمع إتحاد الجنوب العربي South Arabian Federation Gathering