بعيدا عن العاطفة والشعارات العالية، آن الأوان لوضع النقاط على الحروف في ما يتعلق بمستقبل قضية استعادة دولة الجنوب (جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية) فالقضايا الوطنية لا تدار بالهتافات، ولا تُبنى على الخصومات الانفعالية، بل تُحسم بميزان السياسة والمصالح والتوازنات الإقليمية.
إن أي مشروع انفصال أو استعادة دولة، في أي مكان من العالم، لا يمكن أن يرى النور إذا كان على حدود دولة كبرى تعارضه صراحةً حفاظاً على أمنها القومي. هذه ليست وجهة نظر عاطفية، بل قاعدة راسخة في العلاقات الدولية. فالدول تتحرك وفق حسابات الأمن والاستقرار والمصالح الاستراتيجية، لا وفق النوايا أو الأمنيات.
وعندما نتحدث عن دولة بحجم المملكة العربية السعودية، بثقلها السياسي والاقتصادي والأمني في المنطقة، فإن تجاهل موقفها أو الدخول في عداء معها ليس مجرد خطأ تكتيكي، بل مجازفة استراتيجية قد تكلف القضية سنوات جديدة من التعثر.
السياسة فن الممكن، وليست فن التصادم. ومن يظن أن استعادة دولة يمكن أن تتم في بيئة إقليمية معادية، دون تفاهمات وضمانات متبادلة، فإنه يبيع الوهم للناس. التجارب الدولية تؤكد أن أي تغيير في الكيانات السياسية الكبرى لا يتم إلا عبر تفاهمات إقليمية ودولية، تضمن عدم تهديد مصالح الدول المجاورة.
إن تحويل الخلافات إلى صدام، أو استعداء العمق الإقليمي بخطاب متشنج، لم يخدم قضيتنا، بل أضعفها وأدخلها في زوايا ضيقة. المطلوب اليوم خطاب عقلاني، يعترف بحقائق الجغرافيا السياسية، ويسعى لبناء جسور لا لحرقها، ويضع مصلحة الشعب فوق الحسابات الفئوية.
القضية العادلة لا تحتاج إلى صراخ، بل إلى استراتيجية. ولا تحتاج إلى خصومات مجانية، بل إلى شبكة علاقات متوازنة تحفظ المصالح وتطمئن الجوار. فالدولة لا تُستعاد بالرغبة فقط، بل بصياغة مشروع سياسي قابل للحياة، ومقبول إقليمياً، وقادر على طمأنة الجميع.
ربما يكون السؤال الأهم اليوم: هل نريد دولة بشعارات عابرة، أم مشروعاً واقعياً يقرأ الخريطة جيداً ويتحرك بعقل الدولة لا بعاطفة ..
#علي_المسقعي