آخر تحديث :الجمعة-20 فبراير 2026-05:44م

تعز العطشى .. صبر القلوب وماء الحياة

الخميس - 19 فبراير 2026 - الساعة 01:20 ص
نجيب الكمالي

بقلم: نجيب الكمالي
- ارشيف الكاتب


في أول يوم من رمضان، وأنا في عدن، يجلس أهلي حول مائدة الإفطار، تتسلل رائحة القهوة والتمر إلى كل زاوية في البيت، أشعر أن قلبي لم يبقَ هنا فقط، بل طار مسافة المئات من الكيلومترات إلى تعز، إلى شوارعها الضيقة وأزقتها العطشى، حيث أهلي وأحبتي يواجهون صعوبة الحياة اليومية في البحث عن قطرة ماء.

مع شروق الشمس، المدينة في صمتها الصارخ، العجوز تقطع الأميال بين بيوتها والآبار، دلوها الفارغ يتأرجح بين يديها، كما تتأرجح ذكرياتها بين فقد الأمس وأمل الغد. الأطفال يجرون خلف أواني صغيرة، عيونهم تتلألأ بالبراءة بينما الأرصفة ساخنة تحت أقدامهم، والرجال يقفون أمام صمامات المياه المعطلة، ينتظرون لحظة تتدفق فيها الحياة مرة أخرى. كل زقاق وكل باب يخبر قصة عطش، وكل نفس يبدو وكأنه يحمل صدى الحياة نفسها.

أنا في عدن، أرى الصور وأتابع الأخبار، وأستحضر أصوات أهلي هناك، أصواتهم وكأنها تصلني عبر نسيم البحر، أشعر بقلقهم وألمهم، وأتخيل وجوههم الصامدة. المسافة بين عدن وتعز تبدو وكأنها مجرد خطوط على الخريطة، فقلوبنا واحدة، والأمل مشترك، والصبر يعيش في كل قلب يعشق الحياة.

في منتصف النهار، تبدأ الشمس بإرسال أشعتها على البيوت المتواضعة، وكأنها تختبر صبر الأهالي. بين القليل من الماء المتاح، تحاول النساء تجهيز الطعام، والأطفال يساعدون بحمل الحصص الصغيرة، بينما كبار السن يراقبون بعين حادة تتجاوز التعب لتصل إلى معنى الصمود الحقيقي. كل قطرة ماء تُحفر في الذاكرة، كل ابتسامة مختبئة تحت الطوفان الصامت، كل جهد مبذول في الصبر يصبح جزءًا من رواية المدينة العطشى.

وسط هذا الواقع المؤلم، يظهر شوقي أحمد هائل، محافظ تعز السابق، كضوء يأخذ بيد المدينة. في لقاء موسع لمناقشة أزمة المياه، خاطب المسؤولين بجرأة صادقة:

"رئيس الجمهورية من تعز، ووزير المياه من تعز، ورئيس مجلس النواب من تعز… وإذا لم يتحقق مشروع تحلية المياه لتعز الآن، متى ستحل هذه المشكلة؟"

أنا في عدن، أراقب هذه المبادرات، وأدرك أن الأمل ليس بعيدًا. كل خطوة عملية، كل كلمة حقيقية، كل جهد يبذل، تصل إلى أهلي، إلى أولادي، إلى كل قلب يعشق الحياة في تعز. الدلو المملوء في يد العجوز ليس مجرد ماء، بل رمز للصمود، للأمل، وللعدالة الإنسانية.

بينما تقترب الشمس من غروبها، تتلون المدينة بألوان الغروب الحارقة، الأطفال يعودون إلى بيوتهم، والنساء يجهزن الإفطار البسيط، والرجال يراجعون ما أنجزوه وما تبقى من العمل. كل صوت، كل حركة، وكل ابتسامة مختبئة، تروي قصة صبر وعزيمة، وأمل لا يموت، وروح حرة تتشبث بالعدالة والحياة.

وأنا في عدن، أتخيلهم، أستمع إلى نبض المدينة عبر الصور والرسائل، أشاركهم الدعاء والفرح، وكأن كل لحظة ألم تتحول إلى لحظة صبر، وكل قطرة ماء تصل إليهم تحمل الحياة. أذان الإفطار يصدح، أصوات أهلي في تعز تصلني في القلب، والابتسامات تعكس صمودهم أمام القسوة والعطش. تعز لا تموت، شعبها لا يستسلم، والأمل يظل ينبض بين الأزقة والجدران والشرفات.

رمضان هذا العام، وأنا في عدن، يعلمنا درسًا واحدًا: المسافة لا توقف القلوب، والصبر يولد الأمل، والوفاء يبقى جسراً بين المدن وبين الأحبة، مهما طال البُعد. وكل لحظة، وكل قطرة ماء، وكل ابتسامة مختبئة في تعز، تصبح جزءًا من رواية رمضانية لا تُنسى، رواية صبر القلوب وماء الحياة.