آخر تحديث :الجمعة-20 فبراير 2026-05:54م

التعليم العالي اليمني: بين صمود الوصابي وبداية عهد القدسي

الأحد - 08 فبراير 2026 - الساعة 03:49 م
نجيب الكمالي

بقلم: نجيب الكمالي
- ارشيف الكاتب


أنا، من منطلق قيمي الاشتراكية وانتمائي للحزب الاشتراكي، أؤكد دائمًا أن الكتابة يجب أن تنبع من قلب الحقيقة، لا من الانتماء الحزبي أو الشخصي. وفي هذا السياق، أرى في التعليم العالي اليمني مرآة الوطن، في قلبه صراع بين الخراب والأمل، بين التدمير والإرادة، وبين الانقسام والحاجة إلى البناء.

في زمن تنهك فيه الدولة، وتتآكل فيه المؤسسات، ويضيع المواطن بين الفوضى المالية والإدارية، يقف بعض الرجال ليكتبوا فصولًا من العطاء، بضمير حي وإرادة صلبة، يضعون مصلحة الوطن فوق كل اعتبار، ويسهرون على ما تبقى من مؤسسات التعليم العالي وسط الخراب.

الدكتور خالد الوصابي، الذي صنف كثيرون انتماءه السياسي إلى الإصلاح، تولى وزارة التعليم العالي في مرحلة استثنائية؛ وزارة منهكة، قطاع تعليمي منهار، مؤسسات أكاديمية مدمرة، وخطط متلاشية. ومع ذلك، لم يكن الوصابي مجرد وزير يحمل حقيبة، بل كان شعلة عزيمة وسط الدمار، يكتب فصولًا من الصمود والإبداع الإداري.

خلال فترة توليه الوزارة، أعاد الوصابي تفعيل عمل مؤسسات التعليم العالي في عدن، وفتح آفاق التعاون الخارجي لدعم الجامعات والبحث العلمي، ودفع باتجاه الجودة والاعتماد والتصنيف الوطني، ساعيًا للحفاظ على استمرار العملية التعليمية في المناطق المحررة رغم شلل الدولة وضعف الإمكانيات. سنوات ثقيلة، حُملت على كتف رجل لم يكتفِ بالقول، بل صنع فعلًا، وحفظ ما تبقى من قطاع التعليم العالي وسط الخراب، ليظل اسمه محفورًا في ذاكرة من عايشوا هذه المرحلة الحرجة.

واليوم، ومع تسليم الوزارة رسميًا بعد التشكيلة الحكومية الجديدة إلى الدكتور أمين نعمان القدسي، المصنف بالانتماء إلى التنظيم الوحدوي الناصري، يدخل التعليم العالي مرحلة جديدة من الأمل والتفاؤل. الدكتور القدسي، صاحب الصفات النبيلة، الهدوء، الاتزان، والشفافية، واحترام الوظيفة العامة والذمة المالية، يحمل إرثًا من القيم نفسها التي جسدها سلفه، ويملك القدرة على قيادة الوزارة نحو مرحلة من الاستقرار والتطوير، مستفيدًا من الخبرات المتراكمة وبمواجهة التحديات الراهنة.

إن الدكتور القدسي شخصية متزنة، وكادر أكاديمي له حضور ملموس على مستوى الجامعات والمواطن البسيط، ويستطيع صناعة متغيرات حقيقية على أرض الواقع. رجل لطيف، نبيل، مهذب، وفي زمن نادر فيه الالتزام والإخلاص، يستحق كل تقدير، ويملك القدرة على إعادة ثقة المجتمع بالمؤسسات الأكاديمية، وبناء مسار مستدام للنهوض بقطاع التعليم العالي، بما يخدم الطلاب والأكاديميين على حد سواء.

إن التسلسل بين الرجلين، بين الوصابي والقدسي، ليس مجرد تغيير وزاري، بل هو انتقال للأمانة الوطنية وتجسيد لفكرة أن الوطن يمكن أن يُبنى ويُحفظ وسط الأنقاض إذا حملته أيادٍ نظيفة وضمائر صادقة. التاريخ لا يكتب إلا لمن صنعوا فرقًا، ولو في أصغر تفاصيل حياة المواطنين اليومية. وهؤلاء الرجال كتبوا وفاءً للتعليم والتزامًا للوطن، بعيدًا عن الانتماءات الحزبية، مؤكدين أن العمل الوطني الحقيقي هو فوق كل اعتبار.

ومن خلال هذه القيادة المتواصلة، يظهر أن الجامعات اليمنية ليست مجرد مؤسسات تعليمية، بل منارات للثقافة والمعرفة، وركائز أساسية للنهوض بالمجتمع، والمساهمة في التنمية الاقتصادية والاجتماعية. فالاستثمار في التعليم العالي، وإن كان صعبًا في ظل الحرب والانقسام، هو استثمار في الإنسان، وفي بناء جيل قادر على تحمل المسؤولية، وصنع التغيير، وإعادة الأمل لكل شاب وطالب يسعى للتعلم في وطنه.

وختامًا، يبقى الأمل معقولًا، والثقة متجددة، بأن من يقود التعليم العالي اليوم، هو رجل على قدر المسؤولية، قادر على استعادة بريق الوزارة، وتفعيل برامج التعليم والبحث العلمي، وإعادة بناء الثقة بين المواطن والمؤسسات، وبذلك يبقى التعليم العالي منارة للنور وسط الظلال، ومصدرًا للمعرفة والعزة، رغم كل التحديات التي تواجه الوطن.